- عماد العتابي
ثمة شيء شديد القسوة في الطريقة التي تدير بها الدولة المغربية ملف أطفالها الفارين من حجيم الوطن. فالقاصر المغربي الذي يغادر وطنه، أو يحاول العبور إلى سبتة، لا يدخل المشهد السياسي باعتباره طفلا أولا، وإنما باعتباره نتيجة من نتائج أزمة اجتماعية عميقة. وحين يصل إلى سبتة أو الضفة الأخرى، تتغير صفته فجأة ويصبح «طفلا مغربيا» يجب استعادته، وتصبح عودته قضية سيادة وطنية، وتتحول مأساته إلى ملف تفاوضي بين الرباط ومدريد. هكذا، وفي ظرف قصير جدا، ينتقل الطفل المغربي المهاجر من كونه ضحية لفشل السياسات الاجتماعية إلى كونه ورقة في سياسات الهجرة، ثم إلى ورقة أخرى في خطاب الدفاع عن السيادة الوطنية. وبين المرحلتين، يختفي السؤال الأكثر إزعاجا؛ ماذا قدمت هذه الدولة لهؤلاء الأطفال عندما كانوا في المغرب؟
من حيث المبدأ، لا يوجد ما يدعو إلى المزايدة على حق المغرب في المطالبة بعودة القاصرين المغاربة الموجودين في إسبانيا. هؤلاء أبناء هذا البلد، ومن حق الدولة أن تطالب بحمايتهم وعودتهم إلى أسرهم، بل إن مسؤوليتها القانونية والأخلاقية تفرض عليها أن تفعل ذلك. لكن الاعتراف بهذا الحق لا يعني منح الدولة شيكا على بياض سياسيا. فالمطالبة باستعادة الأطفال ليست هي القضية كلها؛ القضية هي لماذا هربوا أصلا ومن دفعهم للهروب من، وكيف خرجوا، وماذا سيجدون عند عودتهم، ومن يتحمل مسؤولية ما حدث لهم قبل أن يصبحوا ملفا دبلوماسيا؟
هنا تبدأ المشكلة الحقيقية، وهنا تحديدا يصبح الخطاب الرسمي بحاجة إلى قدر أكبر من الصراحة وأقل من البلاغة. لأن الطفل الذي يقف على أبواب وأسلاك سبتة الشائكة لا يولد وفي رأسه مشروع هجرة. لا يستيقظ صباحا ويقرر، بكامل إرادته الحرة، أن البحر سيكون طريقه إلى المستقبل. هناك مسار طويل يسبقه، يبدأ من أسرة هشة ومدرسة عاجزة عن الاحتفاظ به وفقر وبطالة محيطة به، وأحياء مهمشة وغياب للفرص، وانسداد متزايد في الأفق. الدولة مسؤولة عن البيئة الاجتماعية التي تجعل المخاطرة بالحياة تبدو للأطفال أقل سوءا من البقاء في بلدهم. وهذه مسؤولية سياسية لا يمكن غسلها بخطاب «أطفالنا» بعد وصولهم إلى سبتة أو الضفة الأخرى.
الدولة المغربية تتعامل مع الطفل بطريقة مختلفة بحسب المكان الذي يوجد فيه. عندما يكون داخل المغرب، يصبح جزءا من منظومة اجتماعية واسعة فاشلة، مليئة بالأرقام والتقارير والبرامج والمخططات الوهمية التي لا تنتهي والتي لا تساوي قيمة الحبر التي كتبت بها. وعندما يصل إلى أوروبا، يتحول إلى قضية سيادية. فجأة يصبح الطفل الذي كان مجهولا ومقموعا في الهامش الاجتماعي حاضرا في خطاب الدولة، وفجأة يصبح مصير طفل واحد قادرا على استدعاء مفردات الكرامة الوطنية والسيادة وحقوق المواطنين. وكأن قيمة الطفل السياسية ترتفع كلما ابتعد عن المغرب.
وهذا ليس تفصيلا لغويا، بل يكشف شيئا أعمق عن طريقة إدارة الدولة لملف الهجرة. الطفل لا يُرى باعتباره مواطنا كامل الحقوق إلا عندما يصبح وجوده خارج الحدود مفيدا في معادلة التفاوض والابتزاز وتسجيل نقاط على الخصم. وهذه هي النقطة التي ينبغي التوقف عندها طويلا. لأن الهجرة في العلاقات المغربية الأوروبية لم تعد مجرد ملف اجتماعي أو إنساني؛ أصبحت جزءا من هندسة سياسية وأمنية وجيوسياسية واسعة، تدخل فيها الحدود، والتعاون الأمني، والمصالح الاقتصادية، والعلاقات مع الاتحاد الأوروبي وقضية الصحراء، وإدارة تدفقات الهجرة و”إسـ.رائيل” وأمريكا. وفي مثل هذه المعادلات، يصبح الإنسان للأسف، أسهل شيء يمكن أن يتحول إلى رقم.
لقد أثبتت تجربة السنوات الماضية أن الحدود المغربية الإسبانية ليست مجرد حدود جغرافية. إنها مساحة تتقاطع فيها السياسة بالأمن والهجرة والدبلوماسية، وأن حركة المهاجرين يمكن أن تصبح مؤشرا على حرارة العلاقات بين الرباط ومدريد. وعندما يدخل الأطفال في هذه المعادلة، تصبح المسألة أكثر خطورة؛ لأن الطفل لا يملك القدرة على فهم اللعبة السياسية التي وجد نفسه داخلها، ولا يملك القدرة على التفاوض، ولا يملك حتى القدرة على اختيار الأدوات التي تستخدمها الدول باسمه.
وهنا يمكن فهم التناقض الذي يثير الكثير من الأسئلة؛ حين يعبر الطفل إلى سبتة، يصبح وجوده جزءا من أزمة الهجرة؛ وحين تريد الدولة استعادته، يصبح وجوده جزءا من خطاب السيادة. في المرحلتين، هناك سياسة تُمارس فوق رأسه. أما هو، فلا أحد يسأله بما يكفي عن الأسباب التي دفعته إلى الرحيل.
إن ما يؤلم في هذه القضية، أن الخطاب الرسمي يحب النتائج أكثر مما يحب مواجهة الأسباب. من الأسهل سياسيا أن تقول: «نريد استعادة أطفالنا»، من أن تقول: «لماذا لم نستطع أن نجعل هؤلاء الأطفال لا يفكرون في الهجرة؟». من الأسهل أن تتفاوض مع مدريد على إعادة مئات القاصرين، من أن تعيد النظر في السياسات التي تنتج كل عام آلاف الأطفال الذين يعيشون على هامش الحياة والمدرسة والمجتمع والحماية الاجتماعية. ومن الأسهل أن تحول العودة إلى انتصار دبلوماسي، من أن تشرح للرأي العام ماذا سيحدث لهؤلاء الأطفال صباح اليوم التالي لعودتهم.
لذلك، فإن السؤال الذي يجب أن يسبق أي احتفال بعودة القاصرين هو؛ أين سيذهبون؟
إذا كان الطفل سيعود إلى أسرته، فهل الأسرة قادرة على حمايته؟ وإذا كان قد عاش في الشارع أو في ظروف قاسية، فمن سيعالج آثار تلك التجربة؟ وإذا كان منقطعا عن الدراسة، من سيعيده إليها؟ وإذا كان في سن التكوين، ما الذي سيمنحه إياه المغرب؟ وإذا لم تكن له أسرة قادرة على استقباله، فمن سيتكفل به؟ وأين هي مراكز الاستقبال والتأهيل والمواكبة النفسية والاجتماعية التي تضمن أن العودة ليست مجرد إعادة جغرافية للطفل من إسبانيا إلى المغرب؟
هذه ليست تفاصيل تقنية يمكن تأجيلها. هذه هي القضية نفسها.
لأن الدولة التي تستعيد الطفل دون أن تستعيد مستقبله لا تكون قد حمت الطفل، وإنما تكون قد استعادت المشكلة إلى داخل حدودها.
ومن هنا تصبح عبارة «المغرب لن يتخلى عن أطفاله» بحاجة إلى ترجمة سياسية ومؤسساتية، لا إلى تصفيق. وإذا كان المغرب لن يتخلى عن أطفاله فعلا، فليبدأ بالأطفال الذين لم يصلوا بعد إلى سبتة. وليبدأ بالذين يعيشون في الأحياء الهشة، والذين يغادرون المدرسة، والذين يبحثون عن العمل في سن مبكرة، والذين يكبرون دون أفق واضح والذين يتعرضون للاستغلال الجنسي في المدن السياحية مقابل بعض المال. لأن منع الهجرة في جذورها أكثر إنسانية من إعادة المهاجر بعد أن يقطع البحر.
المشكلة أن السياسة المغربية تتعامل كثيرًا مع الهجرة باعتبارها مشكلة يجب إدارتها، لا باعتبارها مرآة يجب النظر إليها. والهجرة مرآة قاسية؛ لأنها تقول للدولة شيئا لا تريد سماعه؛ هناك مواطنون وبينهم أطفال، يرون في مكان آخر ما لا يرونه في بلدهم. يرون فرصة، ونظاما، ومدرسة، ومستقبلا، أو على الأقل وهما بمستقبل أفضل. ولا يهم هنا إن كان ذلك التصور واقعيا أم لا؛ المهم أن الدولة فقدت القدرة على إقناعهم بأن المستقبل ممكن داخل المغرب.
وهنا يصبح من السهل جدا أن تنزلق الدولة إلى لعبة سياسية خطيرة؛ لا تمنح الطفل في الداخل ما يكفي لكي يبقى، ثم عندما يخرج ويهرب ويهاجر، تستخدم خروجه في معركة الهجرة، وعندما تستقر المفاوضات، تطالب باستعادته تحت شعار «أطفالنا». في المرحلتين، يتحول الطفل إلى أداة في السياسة بدل أن يكون موضوعا للسياسة.
وهذه هي الجريمة السياسية الحقيقية في هذا الملف، إن صح التعبير؛ ليس فقط أن الطفل هاجر، وإنما أن الدولة تسمح للطفل بأن يصبح موضوعا للمساومة مرتين؛ مرة عندما تكون الهجرة ورقة ضغط في إدارة الحدود والعلاقة مع إسبانيا وأوروبا، ومرة عندما تصبح عودته ورقة لإظهار قوة الدولة وحرصها على مواطنيها.
الطفل ليس مسؤولا عن أزمة العلاقات المغربية الإسبانية، وليس مسؤولا عن سياسات الاتحاد الأوروبي، وليس مسؤولا عن حسابات تيل أبيب والرباط الجيوسياسية، وليس مسؤولا عن مفاوضات الهجرة. وإذا كانت الدول تحتاج إلى أدوات ضغط، فعليها أن تبحث عنها في السياسة والاقتصاد والدبلوماسية، لا في أجساد الأطفال وأحلامهم الهشة.
ومن حق المغرب أن يقول لإسبانيا: أعيدوا لنا أطفالنا. لكن من حق المجتمع المغربي أيضًا أن يقول للدولة؛ وماذا ستفعلون بهم بعد أن يعودوا، وماذا ستقدمون لهم؟
فالمعركة الحقيقية ليست على مَن يحتضن الطفل بعد عبوره الحدود. المعركة الحقيقية هي على الظروف التي جعلته يفكر في الهروب والهجرة.
وإذا أرادت الدولة أن تثبت فعلا أنها «لن تتخلى عن أطفالها»، فعليها ألا تنتظر حتى يصبح الطفل في مركز إيواء إسباني كي تتذكر أنه ابنها. عليها أن تتذكره وهو في المدرسة، وهو في الحي، وهو في الأسرة الفقيرة، وهو على هامش المدينة، وهو على عتبة الانقطاع عن الدراسة، وهو في ذلك العمر الذي يبدأ فيه الطفل للمرة الأولى في التفكير بأن مستقبله ربما يوجد في مكان آخر. هناك فقط يمكن للدولة أن تقول إنها قامت بواجبها.
أما أن تترك الطفل يسقط من منظومة إلى أخرى، من الهشاشة والفقر إلى الهجرة، ومن الهجرة إلى التفاوض، ومن التفاوض إلى العودة، ثم تقدم لنا عودته باعتبارها انتصارا وطنيا، فهذه ليست سياسة بل فعل إجرامي منظم.
