- عماد العتابي
لم يعد ما يقع داخل الجامعة المغربية يثير الدهشة بقدر ما يثير الأسى. فالمؤسسة التي كان يفترض أن تكون قلعة للفكر الحر والنقاش النقدي وإنتاج المعرفة، تحولت إلى فضاء يخنقه الخوف والانتهازية والرقابة غير المعلنة.
لقد نجح المخزن على مدى عقود، في ما هو أخطر من تدجين الأحزاب والنقابات والجمعيات. نجح في اختراق الحقول التي كان يفترض أن تكون مستقلة عنه، وفي مقدمتها الجامعة. فبدل أن يكون الأستاذ الجامعي صوتا للحقيقة، أصبحنا نرى نماذج من الأساتذة يتطوعون لأداء أدوار قذرة لا علاقة لها بالعلم ولا بالبحث الأكاديمي ولا برسالة الجامعة.
ما الذي يدفع أستاذا جامعيا إلى الانشغال بملاحقة المعارضين والتشهير بهم والتحريض عليهم؟ ما الذي يدفع حامل شهادة عليا إلى تحويل صفحته إلى منصة للسب والقذف والتخوين؟ وكيف يمكن لمن يفترض أنه يربي الأجيال على التفكير النقدي أن ينحدر إلى مهاجمة أم مكلومة لأن ابنها يقضي سنوات عمره خلف القضبان؟
الجواب واضح بالنسبة لي، لأن المخزن لم يكتف بإخضاع المؤسسات، بل عمل على إنتاج نخبة وظيفية مهمتها تبرير الظلم والدفاع عن السلطة مهما فعلت. نخبة لا تقاس قيمتها بما تنتجه من معرفة، بل بما تقدمه من خدمات سياسية وأمنية وإعلامية.
لقد أصبح بيننا من يحمل صفة أستاذ جامعي لكنه يؤدي عمليا دور المخبر أكثر مما يؤدي دور الأكاديمي. يتابع الناس في آرائهم، ويراقب مواقفهم، ويشارك في حملات التشهير ضدهم، ويعتبر كل معارض هدفا مشروعا للهجوم والتحريض. والأسوأ من ذلك أنه يفعل كل هذا وهو يرتدي عباءة الأستاذ الجامعي، فيسيء إلى نفسه وإلى الجامعة وإلى المعرفة التي يفترض أنه يمثلها.
إن ما تعرضت له والدة ناصر الزفزافي ليس حادثة معزولة، بل هو عرض من أعراض مرض أعمق. مرض يقوم على تجريد الخصوم من إنسانيتهم أولا، حتى يصبح الاعتداء عليهم معنويا أمرا عاديا ومقبولا. وحين تصل الأمور إلى حد استهداف الأمهات بسبب مواقف أبنائهن، فذلك يعني أن الانحدار الأخلاقي بلغ مستويات خطيرة.
لقد أراد المخزن دائما أن يخيف المعارضين، لكنه أراد أيضا أن يعزلهم اجتماعيا وأخلاقيا. لذلك لم يكن التشهير مجرد وسيلة عابرة، بل أصبح سياسة قائمة بذاتها. وحين تتحول هذه السياسة إلى ثقافة عامة، يظهر من يتطوع لتنفيذها دون أن يُطلب منه ذلك، مقتنعا أنه يؤدي واجبا وطنيا، بينما هو في الحقيقة يشارك في تكريس الظلم وإدامته.
ومع ذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يقع لأي سلطة هو أن تصدق دعاية نفسها. فالتاريخ مليء بالأنظمة التي ظنت أن الجامعات دُجنت بالكامل، وأن الأصوات الحرة اختفت، ثم اكتشفت متأخرة أن الأفكار لا تُسجن، وأن الخوف لا يصنع شرعية، وأن الحقيقة قد تتأخر لكنها لا تموت.
ستبقى الجامعة أكبر من كل المخبرين، وأكبر من كل المأجورين، وأكبر من كل الذين باعوا رسالتها مقابل موقع أو امتياز أو رضا سلطة. وستبقى قيمة الأستاذ بما يحمله من شرف فكري وأخلاقي، لا بما يقدمه من خدمات للمتنفذين.
