- عماد العتابي
ليست كل القضايا السياسية تُقاس بحجم الأشخاص الذين يقفون في قلبها، بل أحيانا بحجم الأسئلة التي تثيرها. فهناك أحداث تبدو في ظاهرها مجرد تطبيق للقانون، لكنها بحكم توقيتها وطريقة تدبيرها، تتحول إلى مرآة تعكس تحولات أعمق داخل الدولة. ومن هذا المنطلق، يصعب قراءة قضية الصحفي علي المرابط باعتبارها مجرد ملف قضائي معزول، لأنها جاءت في لحظة سياسية دقيقة، وفي سياق داخلي وإقليمي يفرض قراءة تتجاوز ظاهر الوقائع إلى البحث في ما قد تعنيه هذه الوقائع بالنسبة للمرحلة المقبلة.
علي المرابط لم يدخل المغرب وهو يجهل تبعات عودته. لقد أعلن في أكثر من مناسبة أنه يدرك أن مواقفه وكتاباته ومحتواه المنشور قد يضعه أمام القضاء، ومع ذلك عاد. وفي المقابل لم تتعامل الدولة مع الملف بأقصى درجات التشدد، كما لم تغلقه باعتباره قضية عادية، بل اختارت توقيفه ثم إطلاق سراحه وتعميق البحث في الموضوع. وهنا يبدأ التحليل السياسي. فالقضية لم تعد تتعلق فقط بعلي المرابط، وإنما بطريقة إدارة الدولة لملف يحمل أبعادا حقوقية وإعلامية وسياسية في آن واحد.
في علم السياسة، لا تُقرأ الرسائل من خلال الأحكام فقط، بل من خلال الطريقة التي تُدار بها الأزمات. فالدولة، عندما تريد إرسال إشارات إلى الداخل والخارج، لا تحتاج دائمًا إلى خطابات رسمية، بل يكفي أحيانا أن تختار كيفية التعامل مع قضية رمزية. لذلك فإن قرار متابعة المرابط في حالة سراح يفتح بابا واسعا للتأويل؛ هل هو تعبير عن احترام المساطر القضائية، أم رسالة محسوبة بدقة مفادها أن سقف حرية التعبير أصبح يخضع لقواعد جديدة، لكن دون الذهاب إلى خطوات قد تخلق مواجهة حقوقية أو إعلامية غير محسوبة؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر مشروعية إذا وضعناها في سياق التاريخ السياسي المغربي. فالمغرب لم تكن يوما دولة تدير انتقالاتها الكبرى بمنطق المفاجأة. قبل انتقال العرش سنة 1999، لم ينتظر الملك الحسن الثاني لحظة نهاية حكمه حتى يبدأ التفكير في المرحلة التالية. منذ منتصف التسعينيات، بدأ مسار إعادة ترتيب المشهد السياسي، فجاء دستور 1996، ثم جاءت حكومة التناوب التوافقي سنة 1998 بقيادة عبد الرحمن اليوسفي، في خطوة لم تكن مجرد تسوية مع المعارضة، بل كانت إعادة بناء للعقد السياسي بين الدولة وأهم الفاعلين السياسيين. يومها فهم كثير من الباحثين أن الحسن الثاني لم يكن يدير حاضر المغرب فقط، بل كان يبني شروط استقرار مرحلة ما بعده، حتى يتم انتقال العرش في ظروف هادئة، دون صدامات سياسية أو مؤسساتية.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو ما إذا كان المغرب يعيش بهدوء منطقا مشابها، وإن اختلفت الأدوات والظروف. فالدول لا تكرر التاريخ حرفيا، لكنها غالبا تستعيد منطقه. وإذا كانت مرحلة أواخر التسعينيات قامت على إدماج المعارضة التقليدية في معادلة الاستقرار، فإن المرحلة الحالية تبدو وكأنها تعيد تعريف العلاقة مع فاعلين جدد، الإعلام الرقمي وصناع المحتوى والمعارضون في الخارج، والنشطاء الذين أصبحت المنصات الرقمية فضاءهم الأساسي للتأثير. وهذا ما يجعل كل قضية من هذا النوع تتجاوز صاحبها لتصبح اختبارا لحدود المرحلة الجديدة.
لا توجد بطبيعة الحال، معطيات رسمية تسمح بالقول إن المغرب بدأ الإعداد لانتقال الحكم في المستقبل، ولا يوجد ما يثبت أن قضية علي المرابط جزء من خطة سياسية بهذا المعنى. لكن السياسة لا تقوم فقط على الوثائق المعلنة، بل أيضا على قراءة المؤشرات والسياقات. والدول التي تمتلك مؤسسات راسخة لا تنتظر اللحظة الحاسمة حتى تبدأ في ترتيب بيتها الداخلي، بل تبني شروط الاستقرار قبل سنوات من الحاجة إليها. وهذا ما فعله الحسن الثاني قبل انتقال العرش إلى محمد السادس، وهو ما يدفع بعض المراقبين اليوم إلى التساؤل عمّا إذا كانت الدولة تعيد بطريقتها الخاصة، هندسة المجال السياسي استعدادا لعقد جديد من تاريخ المغرب.
من هنا، فإن قضية علي المرابط قد تكون مجرد ملف قضائي سينتهي داخل أروقة المحاكم، وقد تكون أيضا واحدة من تلك القضايا التي سيعود إليها الباحثون بعد سنوات باعتبارها لحظة كشفت بداية تحولات ما قبل تسلم الأمير الحسن للحكم. فالتاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى لا تبدأ ببلاغات رسمية، وإنما تبدأ بسلسلة من الوقائع التي تبدو منفصلة، قبل أن يكشف الزمن أنها كانت حلقات في مسار واحد.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغل الفاعلين السياسيين والإعلاميين اليوم ليس ماذا سيقرر القضاء في حق علي المرابط؟ بل هل يعيد المغرب بالفعل رسم حدود المجال السياسي والإعلامي استعدادا لمرحلة جديدة؟ وهل نشهد إعادة هندسة هادئة للعلاقة بين الدولة والمعارضة والإعلام، كما حدث في السنوات الأخيرة من عهد الحسن الثاني؟ أم أن كل هذه القراءات ليست سوى إسقاطات سياسية على قضية لا تتجاوز حدودها القانونية؟
إنها أسئلة قد لا تجد جوابا اليوم، لكن التجربة المغربية نفسها تعلمنا أن ما يبدو حدثا عابرا في لحظة معينة، قد يتبين لاحقا أنه كان بداية مرحلة كاملة.
