دمشق – سوريا
لم تكن تصريحات أحمد الشرع (الجولاني) بشأن السعي إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، والتأكيد على تجنب أي مواجهة معها، مجرد موقف سياسي عابر، بل بدت بالنسبة إلى كثير من المراقبين تعبيرا عن التحول الذي يصيب الحركات الإسلامية عندما تنتقل من ساحات الصراع إلى مقاعد الحكم.
فطوال سنوات، اعتمدت معظم تيارات الإسلام السياسي على خطاب تعبوي يقوم على شعارات “المقاومة” و”تحرير القدس” ورفض أي علاقة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل، وقدمت نفسها باعتبارها البديل العقائدي للأنظمة العربية التي اتهمتها بالتفريط والتطبيع. غير أن اختبار السلطة غالبا ما كشف عن فجوة واسعة بين الخطاب والممارسة.
وتندرج تصريحات الجولاني، ضمن هذا السياق؛ إذ انتقل الرجل من خطاب يرفع رايات “الجهاد” إلى خطاب يتحدث عن الاتفاقات الأمنية، وعن تجنب الصدام مع إسرائيل باعتباره خيارا يخدم المصلحة. وهو تحول يحمل إعلانًا صريحًا عن نهاية مرحلة الشعارات والمسرحيات وبداية مرحلة الحقيقة والحسابات السياسية.
ولا يتعلق الأمر، بشخص الجولاني وحده، بل بطبيعة الإسلام السياسي نفسه عندما يصبح جزءا من السلطة. فالحركات التي بنت شرعيتها على الخطاب العقائدي تجد نفسها، بعد الوصول إلى الحكم، مضطرة للتعامل مع توازنات إقليمية ودولية لا يمكن إدارتها بالشعارات، فتتراجع الأولويات الأيديولوجية لصالح متطلبات البقاء السياسي والاعتراف الدولي.
لكن المفارقة تكمن في أن الخطاب الذي كان يصور الصراع مع إسرائيل باعتباره صراعا وجوديا، يتحول تدريجيا إلى خطاب يتحدث عن الأمن والاستقرار والتعايش والمصالح المشتركة، بينما تصبح العلاقة مع الولايات المتحدة، التي كانت تُقدَّم بوصفها “العدو الأكبر”، جزءا من معادلة البحث عن الشرعية الدولية.
ومن هذا المنطلق، يعتبر منتقدو الإسلام السياسي أن المشكلة ليست في البراغماتية بحد ذاتها، فكل الدول تمارس السياسة وفق المصالح، وإنما في التناقض بين الخطاب الذي استُخدم لحشد الأنصار وعامة التاس، والخطاب الذي يظهر بعد الوصول إلى السلطة. فحين تصبح المصلحة هي المعيار، تتراجع الشعارات التي شُحنت بها الجماهير سنوات طويلة، ويصبح ما كان يُوصف سابقا بالخيانة أو التفريط خيارا سياسيا مشروعا.
وقد تكون تصريحات الجولاني أحدث الأمثلة على هذا الجدل، لكنها ليست سوى حلقة جديدة في نقاش مستمر حول العلاقة بين الأيديولوجيا والسلطة. فالسؤال الذي تطرحه هذه التحولات ليس ما إذا كانت الحركات الإسلامية تمارس البراغماتية، بل لماذا تُقدَّم البراغماتية بوصفها ضرورة بعد الحكم، بينما كانت تُدان باعتبارها خيانة عندما كانت تمارسها الأنظمة التي سبقتها.
