- أبوعلي بلمزيان
في المشهد السياسي المغربي، لم يعد من السهل التمييز بين السياسي والمهرج، بين رجل الدولة وصانع الفرجة، بين من يخاطب عقول المواطنين ومن يراهن على إثارة الغرائز والانفعالات. ولعل عبد الإله بنكيران يمثل اليوم أحد أبرز النماذج التي اختارت أن تجعل من الديماغوجية أسلوباً دائماً في العمل السياسي، ومن الشعبوية الرخيصة وسيلة لإعادة إنتاج حضورها داخل الساحة السياسية، حتى بعد أن تكشفت حدود تجربتها الحكومية وعجزها عن الوفاء بالوعود التي رفعتها باسم الإصلاح ومحاربة الفساد.
لقد بنى بنكيران صورته السياسية على خطاب يقوم على التبسيط المخل للقضايا المعقدة، وعلى تحويل النقاش السياسي إلى فرجة شعبوية تستدرج التصفيق والضحك بدل الوعي والنقد والتحليل. فهو لا يقدم حلولاً اقتصادية أو اجتماعية لأزمات البطالة والفقر والتهميش، ولا يطرح مشاريع حقيقية لمعالجة التفاوتات الطبقية الصارخة التي يعاني منها الشعب المغربي، بل يكتفي بإعادة إنتاج نفس الوصفات الخطابية التي تقوم على النكتة والتهريج وإثارة العواطف.
لقد تحولت السياسة في خطابه إلى ممارسة تقوم على شخصنة القضايا العامة، حيث يصبح الزعيم هو البرنامج، والخطابة هي المشروع، والانفعال الجماهيري هو معيار النجاح السياسي. وهكذا يتم إفراغ العمل السياسي من مضمونه الفكري والمؤسساتي وتحويله إلى علاقة عاطفية بين القائد وأتباعه، وهي العلاقة التي تشكل الأرضية الخصبة لكل أشكال الشعبوية المحافظة.
إن أخطر ما في الديماغوجية البنكرانية ليس فقط استغلال المشاعر الشعبية، بل تحويل السياسة نفسها إلى مسرح للاستحمار الجماعي. فبدل أن تكون السياسة فضاءً للنقاش الديمقراطي الواعي حول توزيع الثروة والسلطة والعدالة الاجتماعية، تتحول إلى مهرجان دائم من الشعارات الجوفاء والخطب الارتجالية التي تخفي وراءها فراغاً فكرياً وبرنامجياً واضحاً.
إن نقد بنكيران لا يتعلق بشخصه فقط، بل بالنموذج السياسي الذي يمثله. ذلك النموذج الذي يوهم الجماهير بأنه يقف إلى جانبها بينما كان خلال وجوده في الحكومة من أبرز المدافعين عن السياسات الليبرالية التي أفقرت الطبقات الشعبية. ففي عهده تم الإجهاز على عدد من المكتسبات الاجتماعية، وجرى تمرير إصلاحات مؤلمة استهدفت القدرة الشرائية للمواطنين والموظفين والطبقات الوسطى والفقيرة، في الوقت الذي استمرت فيه الامتيازات الكبرى للرأسمال الاحتكاري دون مساس حقيقي.
ولم يكن خطاب محاربة الفساد سوى غطاء سياسي لإعادة إنتاج نفس الاختيارات الاقتصادية التي عمقت الفوارق الاجتماعية وكرست هيمنة الأقلية المستفيدة من الثروة والنفوذ. فبين الشعارات الرنانة والواقع الملموس، كانت النتيجة مزيداً من هشاشة الفئات الشعبية واتساع دائرة الإقصاء الاجتماعي.
لقد كان بنكيران بارعاً في صناعة صورة “الرجل البسيط” القريب من الشعب، لكنه في الواقع لم يكن سوى واجهة سياسية لتدبير مرحلة من أخطر مراحل الهجوم على الحقوق الاجتماعية. وبينما كان المواطنون ينتظرون محاربة الفساد والاستبداد، وجدوا أنفسهم أمام حكومة ترفع شعار الإصلاح وتنفذ سياسات التقشف والإجهاز على المكتسبات. وهنا تكمن المفارقة الكبرى بين الخطاب والممارسة، بين الادعاء والواقع.
إن التاريخ السياسي المعاصر يعلمنا أن الشعبوية ليست بديلاً عن الديمقراطية، بل غالباً ما تكون وسيلة للالتفاف عليها. فهي لا تسعى إلى رفع مستوى الوعي الجماهيري، بل إلى استغلال الإحباط والغضب الاجتماعي وتحويلهما إلى رصيد انتخابي وشعبية ظرفية.
إن الديماغوجي يعيش على ذاكرة قصيرة للجماهير، ولذلك يراهن دائماً على النسيان. يعتقد أن تكرار نفس العبارات ورفع نفس الشعارات يمكن أن يمحو حصيلة سنوات كاملة من التدبير السياسي الفاشل. لكن الوقائع عنيدة، والذاكرة الشعبية لا يمكن أن تختزل إلى الأبد في نكتة أو قصة أو خطبة حماسية. فالمواطن الذي يعاني من البطالة وغلاء المعيشة وانسداد الآفاق لا يحتاج إلى عروض خطابية، بل إلى سياسات تضمن له الكرامة والعدالة والحقوق الأساسية.
وإذا كانت الصورة التي يظهر فيها بنكيران بلباس فولكلوري حاملاً آلات موسيقية شعبية قد تبدو للبعض مجرد تعبير عفوي عن الثقافة الشعبية، فإنها تكتسب دلالة سياسية حين تتحول إلى رمز لطريقة كاملة في ممارسة السياسة. فالمشكل ليس في التراث الشعبي ولا في الفنون الشعبية التي تشكل جزءاً من الهوية الثقافية للمغرب، بل في توظيفها لإنتاج الفرجة السياسية وصرف الأنظار عن القضايا الجوهرية. فحين يصبح السياسي نجماً للعرض بدل أن يكون مسؤولاً عن تقديم الأجوبة والحلول، فإن السياسة تفقد معناها النبيل وتتحول إلى سوق للمزايدات والاستعراض.
وحين تتحول المنصات السياسية إلى فضاءات للتسلية بدل المحاسبة، وللضحك بدل النقاش العمومي الرصين، يصبح المواطن مجرد متفرج على معاناته بدل أن يكون فاعلاً في تغيير شروطها. وهنا تكمن خطورة الشعبوية التي تستبدل الوعي بالانبهار، والمشاركة الديمقراطية بالتبعية العاطفية.
إن المغرب اليوم يحتاج إلى خطاب سياسي جديد، خطاب يقطع مع الشعبوية والديماغوجية والاستحمار، ويعيد الاعتبار للوعي الجماهيري والتنظيم الديمقراطي والنضال الاجتماعي. يحتاج إلى قوى سياسية تضع مصالح العمال والكادحين والشباب العاطل والفئات المهمشة في صلب مشروعها، لا إلى زعماء يتقنون فن إثارة التصفيق أكثر مما يتقنون فن بناء البدائل.
ويحتاج كذلك إلى مشروع مجتمعي ديمقراطي حقيقي يربط بين التحرر السياسي والعدالة الاجتماعية والسيادة الشعبية على الثروة الوطنية، بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات أو تسويق الأوهام الانتخابية الموسمية.
لقد أثبتت التجارب أن الشعبوية مهما ارتفعت أصواتها تظل عاجزة عن معالجة التناقضات البنيوية التي تنتج الفقر والاستغلال والتهميش. فهي تقدم الوهم بدل الحلول، والانفعال بدل الوعي، والشخصنة بدل التحليل السياسي الجاد. ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست ضد شخص بنكيران وحده، بل ضد كل أشكال الاستغلال السياسي لعفوية الجماهير وكل محاولات تحويل السياسة إلى فرجة موسمية.
ومن هنا فإن الواجب التاريخي للقوى الديمقراطية والتقدمية يتمثل في بناء وعي شعبي نقدي قادر على التمييز بين الخطاب الذي يهدف إلى التحرير والخطاب الذي يهدف إلى الاستتباع، وبين السياسة باعتبارها أداة للتغيير والسياسة باعتبارها صناعة للأوهام.
إن من حق الشعب المغربي أن يحاسب كل من تولى المسؤولية، وأن يرفض تحويل ذاكرته الجماعية إلى مسرح للخداع المتكرر. ومن حقه أيضاً أن يبحث عن بديل ديمقراطي شعبي يضع الإنسان قبل الأرباح، والعدالة الاجتماعية قبل الحسابات الانتخابية الضيقة، والكرامة قبل الاستعراض الإعلامي.
فحين تتحول السياسة إلى بهرجة، يصبح الوعي فعلاً مقاوماً. وحين يصبح التصفيق بديلاً عن التفكير، يصبح النقد واجباً وطنياً. أما حين يصر بعض السياسيين على مخاطبة الجماهير بعقلية الفرجة والديماغوجية، فإن الرد الحقيقي لا يكون بالانبهار، بل بفضح التناقض بين الأقوال والأفعال، وبين الشعارات والواقع، وبين المسرح السياسي ومصالح الشعب الحقيقية.
إن مستقبل المغرب لن تصنعه الخطب الشعبوية ولا الزعامات الكاريزمية العابرة، بل ستصنعه الإرادة الواعية للجماهير المنظمة والقادرة على فرض الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، باعتبارها شروطاً أساسية لبناء مغرب الحرية والمساواة والإنصاف.
