تقرير – المغرب
أعلن أحمد الشرعي، قبل أيام قليلة من الانتخابات التشريعية، اصطفاف مجموعته الإعلامية إلى جانب حزب الأصالة والمعاصرة، داعيا إلى دعم ما وصفه بـ«المشروع الحداثي والتقدمي» للحزب، ومتحدثا عن إمكانية إسناد رئاسة الحكومة إلى كفاءة نسائية، في إشارة فهمها كثيرون على أنها تخص فاطمة الزهراء المنصوري.
الشرعي الذي ارتبط خلال السنوات الماضية بدعم عزيز أخنوش والتجربة الحكومية التي قادها، وجد نفسه بذلك ينتقل، في آخر لحظات الحملة إلى الضفة الأخرى. انتقال كان يمكن أن يُقرأ باعتباره مجرد تغيير في الموقف السياسي، لولا أن التطور التالي جاء أكثر إثارة.
فبدل أن تستقبل المنصوري هذا الدعم باعتباره مكسبا انتخابيا، خرجت لتؤكد أنها لا تعرف الشرعي، ولم يسبق لها أن التقت به أو تحدثت معه هاتفيا، وأن مواقف الأشخاص الذين يدعمون الحزب لا تلزم الحزب ولا قيادته.
فلماذا سارعت المنصوري إلى النأي بنفسها عن الشرعي؟ الجواب يرتبط أساسا بالجدل الذي يلاحق الشرعي بسبب مواقفه من “إسرائيل”، وفي مقدمتها المقال الذي حمل عنوان «كلنا إسرائيليون»، وهو الموقف الذي ظل حاضرا في السجال السياسي والشعبي المغربي، قبل أن يعود إلى الواجهة مباشرة بعد إعلان دعمه للمنصوري.
وقد وجد عبد الإله بنكيران في هذا الملف مدخلا لمهاجمة «البام» ومطالبة قيادته بتحديد موقفها من الشرعي ومواقفه. وهكذا وجد الحزب نفسه أمام مفارقة انتخابية غير مريحة، شخصية منبوذة شعبيا تعلن دعمها له، لكن مجرد اقتران اسمه بالحزب يفتح نقاشا حول “إسرائيل” وفلسطين ومواقف سياسية لا يريد الحزب أن يحملها في حملته.
لهذا جاء النأي سريعا. فالمنصوري تدرك، أكثر من غيرها، أن الانتخابات لا تُدار فقط بما يقوله المرشح والحزب عن نفسه، وإنما أيضا بما يمكن أن يلصقه به خصومه. وفي معركة انتخابية حادة، يصبح اسم الداعم وماضيه ومواقفه جزءا من الكلفة السياسية لأي اصطفاف.
والشرعي في هذه الحالة، لم يدخل إلى المشهد بصفحة بيضاء. فاسمه ارتبط خلال السنوات الماضية بمواقف أثارت جدلا واسعا، كما ارتبط حضوره الإعلامي بالمرحلة الحكومية التي قادها عزيز أخنوش. ثم ظهر اليوم داعما لـ«البام» والمنصوري.
فلو كان الدعم مكسبا صافيا، لكان الاحتفاء به هو الطبيعي. أما عندما يصبح أول رد فعل عليه هو التأكيد على عدم تحمل مسؤوليته، فذلك يعني أن قيمة الدعم لم تعد هي السؤال الوحيد؛ بل أصبحت هوية الداعم ومواقفه وماضيه جزءا من المشكلة.
لا تبدو المنصوري مستعدة لدفع ثمن سياسي نيابة عن الشرعي. وهذا ما يفسر سرعة النأي به، خصوصا في قضية حساسة مثل “إسرائيل” وفلسطين، وفي لحظة انتخابية لا تحتمل على الأرجح فتح معارك جانبية جديدة.
عبد الإله بنكيران لم يفوّت الفرصة. استغل دعم الشرعي لـ«البام» ومواقفه الداعمة لـ “إسرائيل”، وفتح من خلاله جبهة جديدة ضد المنصوري والحزب، مطالبا بموقف واضح منه ومستخدما القضية في خطابه الانتخابي.
وهكذا تحول الدعم الذي كان يفترض أن يكون رصيدا للمنصوري إلى عبء انتخابي، واضطرت قيادة «البام» إلى الدفاع عن نفسها بالقول إن مواقف الحزب تحددها وثائقه وبياناته، لا مواقف داعميه.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. إذا وضعنا الشرعي جانبا للحظة، فإن ما وقع يفتح سؤالا أوسع حول مصير الوجوه التي ارتبطت بالمرحلة الحكومية السابقة عندما تتغير الاصطفافات.
هل تنتهي مهمة بعض الأصوات بمجرد انتهاء الحاجة إليها؟ وهل ينتقل أصحابها بأنفسهم إلى مواقع جديدة عندما يشعرون أن الرياح تغيرت؟ أم أن ما يسمى «إعادة التموضع» ليس سوى محاولة متأخرة للحاق بقطار سياسي جديد؟
هل بدأت فعلا مرحلة جديدة لا تريد معها الأحزاب أن تحمل على ظهرها إرث بعض الأصوات التي ارتبطت بالمرحلة السابقة؟
في النهاية الصورة واضحة، أحمد الشرعي أعلن دعمه لـ«البام» وفاطمة الزهراء المنصوري، لكن المنصوري سارعت إلى قطع المسافة معه، ولم تترك مجالا لاحتساب مواقفه وماضيه على الحزب.
السبب الأبرز هو أن الرجل يحمل معه إرثا من المواقف المثيرة للجدل، خصوصا بشأن إسرائيل، في وقت لا تريد فيه المنصوري أن يتحول اسم داعمها إلى عبء انتخابي عليها. كما أن انتقاله المتأخر من دعم أخنوش إلى دعم «البام» يضعه أمام أسئلة صعبة حول إعادة التموضع وتبدل الاصطفافات.
وبعيدا عن كل التأويلات، تبقى الحقيقة السياسية الأوضح. الشرعي أراد أن يدخل إلى المرحلة الجديدة من بوابة «البام»، لكن المنصوري اختارت أن تغلق الباب أمامه.
لقد أعلن الرجل دعمه، وكان جوابها عمليا، دعمك لا يمثلنا ومواقفك لا تلزمنا، واسمك لن يكون جزءا من مشروعنا. وهنا تنتهي الحكاية بوضوح. الشرعي يبحث عن موقع في المرحلة المقبلة، والمنصوري تقول له إن هذا الموقع لن يكون إلى جانبها.
