- عماد العتابي
لم تدفن الرأسمالية ماركس، بل دفنت رأسها في الرمال، معتقدة أن سقوط جدار برلين سيكفي لإسكات صراع الطبقات، وأن انتصارها على التجربة السوفياتية سيمنحها صكّ الخلود. لكن التاريخ لا يخضع لبيانات المنتصرين المزيفين، والصراع الطبقي لا ينتهي بقرار سياسي.
واليوم تعود الشبيبة اليسارية إلى الشوارع الأوروبية، وتستعيد الجماهير لغة الاحتجاج في باريس وبروكسيل ومدريد وبرشلونة ومدن أوروبية أخرى، في مواجهة التقشف وتدهور شروط العيش وتغوّل منطق السوق على الحقوق الاجتماعية. قد تكون الرأسمالية انتصرت بالفعل في معركة ومرحلة تاريخية معينة.
لكن ماذا فعلت بهذا الانتصار وأي مستقبل تعد به جيلا تطالبه بالعمل والتضحية، ثم تحرمه من السكن والصحة والاستقرار والكرامة؟
لا تبدو عودة الشباب إلى الشارع مجرد احتجاج على سياسات حكومية، بل مواجهة مفتوحة مع نظام يريد تحويل الهزيمة الاجتماعية إلى قدر، والاستغلال إلى قانون اقتصادي، واللامساواة إلى حقيقة لا تقبل النقاش. إن الأشباح التي ظنّ المنتصرون أنهم دفنوها تعود اليوم في صورة أجور لا تكفي، ومساكن لا تُطال، ومدارس تُستنزف، وشبيبة ترفض أن تدفع ثمن أزمة لم تصنعها.
ما يجري في أوروبا اليوم يطرح سؤالا يتجاوز حدود الاحتجاجات الراهنة؛ فهل نحن أمام انتفاضة شبابية جديدة تعيد الصراع الاجتماعي إلى قلب المشهد السياسي الأوروبي، أم أمام موجة غضب ستنجح الأنظمة القائمة في احتوائها، كما احتوت موجات سابقة؟
من باريس إلى بروكسيل، ومن ساحات الجامعات إلى شوارع المدن التي تشهد التعبئات النقابية والاجتماعية، يتجدد الاحتجاج على سياسات تُحمّل الأجراء والفئات الشعبية والشباب كلفة الأزمات، فيما تظل الثروة والسلطة الاقتصادية متمركزتين في أيدي أقلية تمتلك من النفوذ ما يكفي للتأثير في القرارات التي تحدد مصائر الملايين.
ليست المسألة مجرد خلاف حول ميزانية أو إصلاح تعليمي أو زيادة في الأسعار. إنها في عمقها مواجهة حول طبيعة المجتمع الذي نريد، وحول من يملك حق تقرير أولوياته؛ هل هم أصحاب رؤوس الأموال الذين ينظرون إلى المجتمع من زاوية الربح والخسارة، أم الجماهير التي تنتج الثروة وتطالب بحقها في الاستفادة منها؟
لقد اعتادت الرأسمالية أن تقدم أزماتها باعتبارها اختلالات مؤقتة، وأن تطلب من الطبقات الشعبية الصبر والتضحية وانتظار التعافي. لكن هذا الانتظار أصبح أشبه بحكم مؤجل على مستقبل الشباب. فالسكن يتحول إلى امتياز والعمل لا يضمن دائما الاستقرار، والشهادات الجامعية لا تحمي أصحابها من الهشاشة. فيما تتعرض الخدمات العمومية لضغوط متزايدة باسم التوازنات المالية وترشيد النفقات.
أي معنى للتقدم إذا كان المجتمع ينتج المزيد من الثروة، بينما يجد شبابه أنفسهم أمام آفاق أضيق للحياة؟ وأي شرعية لسياسات اقتصادية تجعل حماية الأرباح أولوية، ثم تطالب المواطنين بالتكيف مع تراجع حقوقهم الاجتماعية؟
إن التناقض المركزي الذي تعيشه أوروبا ليس ندرة الثروة، بل الصراع حول ملكيتها وتوزيعها، وحول من يتحمل كلفة إنتاجها ومن يستحوذ على ثمارها.
من هنا تكتسب عودة الشبيبة اليسارية إلى الشارع أهميتها. فالشباب الذي يحتج على أزمة السكن أو تراجع التعليم العمومي أو هشاشة العمل لا يحتاج بالضرورة إلى أن يبدأ من كتاب في الاقتصاد السياسي حتى يصطدم بالتناقضات التي وضعها ماركس في صلب نقده للرأسمالية. يكفي أن يكتشف أن جهده لا يضمن له حياة كريمة، وأن مستقبله يخضع لمنطق اقتصادي لا يملك أدوات التأثير فيه، حتى يصبح السؤال الاجتماعي سؤالا سياسيا بامتياز.
غير أن الوعي بالظلم لا يتحول تلقائيا إلى وعي طبقي منظم، والغضب لا ينتج وحده مشروعا للتحرر. فالتاريخ مليء بالانتفاضات التي أطلقت طاقات جماهيرية هائلة، قبل أن تتبدد بفعل غياب التنظيم أو تشتت المطالب أو عجز القوى السياسية عن تقديم أفق يتجاوز الاحتجاج الآني.
وهنا يبرز التحدي الحقيقي أمام اليسار الأوروبي؛ فهل يستطيع أن يحوّل هذا الغضب إلى قوة اجتماعية منظمة، وأن يعيد بناء الصلة بين النضال النقابي والحركة الطلابية والصراع السياسي، بعيدا عن الاكتفاء بالشعارات أو الارتهان لحسابات المؤسسات الانتخابية؟
إن استعادة اليسار لدوره لا تتحقق باستدعاء رموزه التاريخية وحدها، ولا بتكرار لغة سياسية لم تعد تلامس التحولات العميقة التي عرفتها المجتمعات الأوروبية. إنها تتطلب مشروعا طبقيا ديمقراطيا قادرا على مواجهة سلطة رأس المال، والدفاع عن العمل اللائق والسكن والتعليم والصحة العمومية، ومقاومة تحويل الحقوق الأساسية إلى سلع تخضع للقدرة الشرائية.
كما تتطلب فهما لطبيعة الجيل الجديد، الذي لا يعيش تناقضات الرأسمالية بالطريقة نفسها التي عاشتها الأجيال السابقة. فهذا الجيل يواجه أشكالا جديدة من الهشاشة، واتساع العمل المؤقت، وتراجع القدرة على الاستقلال الاقتصادي، وهيمنة المنصات الرقمية، وتزايد الشعور بأن المستقبل الذي وُعد به لن يتحقق بالشروط القائمة.
ولا يمكن لليسار أن يستعيد زمام المبادرة إذا ترك هذا الغضب بلا أفق، أو إذا سمح لليمين المتطرف باختطافه وتوجيهه نحو المهاجرين والفئات الأضعف، وتحويل الصراع من مواجهة مع السياسات المنتجة للتفاوت إلى حرب بين ضحايا التفاوت أنفسهم.
فاليمين المتطرف لا ينمو في فراغ؛ إنه يستثمر الخوف الاجتماعي وانعدام الأمان وفقدان الثقة، ويقدم إجابات تبسيطية عن أزمات معقدة. ومواجهة هذا المسار لا تكون بالمواعظ وحدها، بل ببديل اجتماعي ملموس يعيد إلى الجماهير الإحساس بأن تحسين شروط حياتها ممكن، وأن التضامن الطبقي والاجتماعي أكثر قدرة على معالجة أزماتها من سياسات الإقصاء والكراهية.
وفي هذا السياق، لا تعني عودة الشبيبة اليسارية أن أوروبا تستعد بالضرورة لثورة اشتراكية، ولا أن الاحتجاجات الراهنة تنتمي كلها إلى مشروع أيديولوجي واحد. لكنها تعني أن الصراع حول الحقوق الاجتماعية وتوزيع الثروة ومستقبل دولة الرعاية لم يُحسم، وأن التناقضات التي اعتقد البعض أنها فقدت قدرتها على تحريك التاريخ لا تزال تنتج أشكالا جديدة من المقاومة.
لقد كان انهيار الاتحاد السوفياتي هزيمة تاريخية لتجربة سياسية واقتصادية محددة، لكنه لم يكن نهاية الحاجة إلى نقد الرأسمالية، ولا نهاية الصراع بين العمل ورأس المال. فالأنظمة تسقط، والتجارب تفشل والأفكار تتغير، لكن الأسئلة التي تنشأ من علاقات الاستغلال والتفاوت لا تختفي بمجرد إعلان انتصار طرف على آخر.
وهنا يمكن فهم راهنية ماركس، لا باعتباره مرجعا مغلقا أو وصفة جاهزة لإعادة إنتاج الماضي، بل باعتباره أحد المفكرين الذين وضعوا التناقضات الداخلية للرأسمالية في قلب التحليل. فالسؤال عن ملكية وسائل الإنتاج وعن توزيع الثروة، وعن علاقة السلطة الاقتصادية بالقرار السياسي، يظل حاضرا كلما اكتشف المجتمع أن النمو الاقتصادي لا يضمن العدالة، وأن ازدياد الإنتاج لا يعني بالضرورة تحسن شروط حياة المنتجين.
إن ما يجري في شوارع أوروبا يعيد فتح هذه الأسئلة، حتى حين لا يرفع المحتجون شعارات ماركس ولينين وتروتسكي، وحتى حين تتعدد مرجعياتهم ومطالبهم. فالأفكار لا تعود دائما عبر الأحزاب التي تحمل أسماءها، بل قد تعود من خلال الواقع نفسه، حين يعيد إنتاج المشكلات التي حاولت تلك الأفكار تفسيرها.
لكن الرهان يتجاوز استعادة المقولات النظرية. فالتاريخ لا يتقدم بمجرد تشخيص التناقضات، وإنما بقدرة القوى الاجتماعية على تنظيم مصالحها وبناء موازين قوى تفرض تغييرات فعلية. ولذلك فإن السؤال الذي يواجه الشبيبة اليسارية اليوم ليس فقط كيف تحتج، بل كيف تنظم نفسها وكيف تربط بين النضالات المتفرقة، وكيف تنتقل من الدفاع عن الحقوق المهددة إلى طرح مشروع أوسع لإعادة توزيع الثروة والسلطة.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تنتفض الشبيبة، ثم يُترك غضبها بلا أفق؛ وأن تمتلئ الشوارع بالمطالب، بينما تظل موازين القوى على حالها. فالقوة التاريخية للاحتجاج لا تُقاس فقط بما يعطله في لحظته، بل بما يتركه من تنظيم ووعي وقدرة على تغيير السياسات والعلاقات الاجتماعية.
لهذا، فإن أوروبا تقف اليوم أمام سؤال سياسي واجتماعي مفتوح حول ما إذا كانت تستطيع القوى اليسارية أن تلتقط هذه اللحظة، وأن تحول الاحتجاج إلى مشروع والغضب إلى تنظيم، والمطالب اليومية إلى برنامج للتحول الديمقراطي والاجتماعي؟ أم أن هذه التعبئات ستظل موجات متفرقة تتراجع بعد كل مواجهة، بينما تواصل البنى الاقتصادية إنتاج الأسباب التي أخرجت الجماهير إلى الشارع؟
لا أحد يستطيع أن يحسم مسبقا مسار هذه اللحظة. لكن المؤكد أن إعلان نهاية الصراع الاجتماعي لم يكن سوى وهم آخر من أوهام الانتصار التاريخي. فالرأسمالية قد تنتصر على خصومها في مرحلة، لكنها لا تستطيع ضمان اختفاء التناقضات التي تولدها، ولا منع الأجيال الجديدة من إعادة اكتشاف مصالحها وحقوقها.
إن الشبيبة اليسارية لا تعود إلى أوروبا بوصفها صدى لماض انتهى، بل بوصفها تعبيرا عن صراع لم يُحسم بعد. وما ستؤول إليه هذه العودة لن تحدده قوة الشعارات وحدها، بل قدرة الشباب والقوى الاجتماعية على بناء بديل يجعل العدالة الاجتماعية حقا منتزعا، لا وعدا مؤجلا، ويعيد الإنسان إلى مركز السياسة، بعد أن كاد يتحول إلى مجرد رقم في حسابات السوق.
