طاراغونا – إسبانيا
في الوقت الذي تخوض فيه الدول سباقا محموما لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية عبر تسويق كفاءاتها العلمية وخبراتها الاقتصادية ونجاحاتها الصناعية، اختارت قنصلية المغرب بشراكة مع بنك BMCE بمدينة تاراغونا الإسبانية أن تمنح صفة “ضيفة شرف” للشيخة طراكس خلال لقاء مخصص للتعريف بفرص الاستثمار في المملكة.
قرار أثار موجة من السخرية والاستغراب والغضب في أوساط عدد من المغاربة، ليس بسبب شخص الشيخة طراكس في حد ذاته، وإنما بسبب الرمزية التي يحملها هذا الاختيار في حدث يفترض أنه اقتصادي واستراتيجي بامتياز.
فحين يجلس المستثمر الإسباني في قاعة يفترض أنها مخصصة لاستعراض مؤهلات المغرب الاقتصادية، ينتظر أن يتعرف على خبراء في المال والأعمال، أو رواد صناعة وتكنولوجيا، أو باحثين وأكاديميين ساهموا في تطوير قطاعات إنتاجية واعدة. لكنه يجد نفسه أمام راقصة وشخصية اشتهرت أساسا عبر الجدل ومنصات التواصل الاجتماعي، دون أي ارتباط معروف بعالم الاستثمار أو الاقتصاد أو ريادة الأعمال.
هل يعاني المغرب من خصاص في الكفاءات إلى درجة البحث عن الراقصات وشخصيات مثيرة للجدل لتمثيله في لقاءات اقتصادية دولية؟ أم أن هناك من لا يدرك الفرق بين صناعة “البوز” وصناعة الثقة الاستثمارية؟
المفارقة أن المغرب يزخر بآلاف الكفاءات التي حققت نجاحات داخل الوطن وخارجه. رجال أعمال يقودون شركات عالمية، باحثون يشتغلون في أكبر الجامعات والمختبرات الدولية، ومهندسون ورواد أعمال استطاعوا فرض أسمائهم في مجالات التكنولوجيا والصناعة والابتكار. هؤلاء كان من الممكن أن يشكلوا قيمة مضافة حقيقية للحدث، وأن يقدموا صورة تعكس الطموح الاقتصادي الذي يسعى هذا اللقاء ترسيخه.
غير أن ما حدث يعكس ظاهرة مقلقة أصبحت تتسلل إلى العديد من الفضاءات العامة، وهي هيمنة منطق الشهرة على حساب الكفاءة. فبدل أن تصبح الكفاءة معياراً للحضور والتكريم، بات عدد المتابعين والقدرة على إثارة الجدل كافيين أحيانا لاحتلال الواجهة، حتى في مناسبات يفترض أن تكون ذات طابع مؤسساتي ورسمي.
القضية ليست قضية الشيخة طراكس، بل قضية رؤية ومعايير. فحين يتعلق الأمر بالاستثمار والتنمية وجذب رؤوس الأموال، لا مكان للارتجال ولا لمنطق الإثارة. المستثمر لا يبحث عن “المؤثرين”، بل عن مؤشرات الثقة والكفاءة والجدية.
وإذا كانت لقاءات الاستثمار منصة لتقديم أفضل ما يملكه المغرب، فهل كانت الشيخة طراكس فعلا هي أفضل رسالة يمكن توجيهها إلى المستثمرين الإسبان؟
