طهران – إيران
لم يعد المشهد الإقليمي بعد الضربة الإيرانية في عمق الكيان الصهـ يوني ردا على استهداف ضاحية بيروت كما كان قبلها. فما يجري يتجاوز حدود رد عسكري أو مواجهة موضعية، ليعكس صراعا على إعادة رسم قواعد القوة والردع في المنطقة بأسرها. فمنذ عقود اعتمدت “إسرائيل” على معادلة تقوم على حرية الحركة العسكرية واستهداف خصومها في أكثر من ساحة، مستندة إلى تفوق عسكري ودعم أمريكي وغربي واسع، مع افتراض أن ردود الفعل ستبقى ضمن حدود يمكن احتواؤها وإدارتها. إلا أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن هذه المعادلة تواجه اختبارا حقيقيا قد تكون له تداعيات استراتيجية بعيدة المدى.
من منظور محور المقاومة، لم تعد الساحات منفصلة كما كانت تُدار في السابق. فالاعتداء على لبنان لم يعد حدثا لبنانيا صرفا، والضغط على غزة أو استهداف مواقع في اليمن والعراق أو إيران لم يعد يُنظر إليه كملف مستقل عن بقية ملفات الصراع. لقد تحولت فكرة «وحدة الساحات» خلال السنوات الأخيرة من مفهوم سياسي إلى واقع عملي ينعكس في طبيعة الردود والرسائل المتبادلة، بحيث بات أي تصعيد في جبهة ما يحمل إمكانية انعكاسه على مجمل جبهات المواجهة.
وفي هذا السياق، تبدو الرسالة الأبرز أن أمن لبنان لم يعد شأنا لبنانيا فحسب، وأن أي استهداف واسع للمقاومة أو للبيئة الحاضنة لها في الجنوب والضاحية لن يُقابل بالضرورة برد من داخل الساحة اللبنانية وحدها، بل سيستدعي تفاعلات إقليمية أوسع. وهنا تكمن أهمية التحول الجاري؛ إذ لم يعد الصراع محكوما بالحدود الجغرافية التقليدية، بل بمنطق الترابط الاستراتيجي بين أطراف محور المقاومة.
الأهمية الحقيقية لا تكمن فقط في حجم الضربات أو طبيعتها، بل في ما تحمله من دلالات سياسية وعسكرية. فإيران تسعى إلى ترسيخ قناعة لدى “إسرائيل” وحلفائها بأن مرحلة الضربات منخفضة الكلفة قد انتهت، وأن أي محاولة لفرض وقائع جديدة بالقوة العسكرية ستواجه بكلفة متصاعدة. وفي المقابل، يسعى محور المقاومة إلى إظهار أن سنوات الحصار والعقوبات والحروب والاغتيالات لم تنجح في كسر إرادته أو تقويض قدراته، بل دفعت إلى تطوير أدوات ردع أكثر تعقيدا واتساعا.
ويبدو أن طهران أرادت من خلال الجمع بين الرد العسكري وإعلان وقف العمليات أن تؤكد أنها لا تبحث عن حرب مفتوحة بقدر ما تسعى إلى تثبيت قواعد اشتباك جديدة. فالمسألة لا تتعلق بإطلاق مواجهة شاملة، بل بإيصال رسالة مفادها أن الاعتداء لم يعد يمر من دون ثمن، وأن سقف الردود لم يعد كما كان في السابق. وبذلك يصبح الرد ذاته جزءاً من عملية إعادة هندسة ميزان الردع الإقليمي أكثر من كونه مجرد فعل عسكري عابر.
كما تعكس هذه التطورات تحولا مهما في مفهوم الردع ووحدة الساحات. ففي الماضي كان الردع قائما على قدرة إسرائيل على فرض التهديد ومنع خصومها من التفكير في الرد. أما اليوم، فإن محور المقاومة يحاول بناء معادلة معاكسة أساسها القدرة على تهديد العمق الإسرائيلي ورفع كلفة أي مغامرة عسكرية إلى مستويات غير مسبوقة، بما يجعل قرار التصعيد أكثر تعقيدا وحساسية بالنسبة لصناع القرار في تل أبيب.
ومن زاوية أخرى، فإن ما يجري يمثل إخفاقا متراكما للرهانات التي قامت على تفكيك محور المقاومة باسقاط سوريا أو عزل مكوناته عن بعضها البعض. فعلى الرغم من الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية الهائلة، لا تزال أطراف هذا المحور تتصرف باعتبارها جزءا من مشروع استراتيجي واحد، وتتعامل مع التحديات الأمنية باعتبارها تحديات مشتركة تتطلب استجابات مترابطة.
لذلك فإن النقاش الحقيقي اليوم لا يتعلق فقط بنتائج مواجهة بعينها أو برد محدد، بل بمسار تاريخي آخذ في التشكل. فإسرائيل التي اعتادت امتلاك زمام المبادرة تجد نفسها أمام بيئة استراتيجية أكثر تعقيدا وتشابكا، فيما يسعى محور المقاومة إلى تثبيت معادلة جديدة عنوانها أن الأمن والاستقرار في المنطقة لم يعودا يُرسمان بإرادة إسرائيلية أو أمريكية منفردة، بل عبر توازنات ردع متبادلة تفرضها الوقائع الميدانية وقدرات الأطراف المختلفة.
وفي حال استمرت هذه المعادلة في التراكم والتثبيت، فإن المنطقة قد تكون أمام مرحلة مختلفة عنوانها تراجع قدرة إسرائيل على فرض قواعد الاشتباك منفردة، مقابل صعود قوة ردع إقليمية متعددة الجبهات ترى في أي اعتداء على أحد أطرافها اعتداءً على المنظومة بأكملها.
