تقرير – بروكسيل
في يوم تتشابك فيه حسابات الأمن والدبلوماسية والاقتصاد، تتجه الأنظار الأوروبية إلى خطاب استثنائي لقائد العمليات العسكرية لحلف شمال الأطلسي «الناتو»، الجنرال الأمريكي أليكسوس غرينكيفيتش، الذي عرض في العاصمة البولندية وارسو تصور الحلف لكيفية التصدي لأي هجوم محتمل على أراضي الدول الأعضاء، في رسالة تستهدف تعزيز الردع العسكري وطمأنة الحلفاء، وسط تصاعد المخاوف من اتساع المواجهة مع روسيا.
الخطاب، الذي حمل عنوان «نظرية النصر: كيف نحقق النجاح العسكري ضد روسيا من خلال الردع والدفاع؟»، يمثل محطة لافتة في النقاشات الأمنية داخل الحلف، إذ ينتقل من التأكيد التقليدي على منع الحرب إلى شرح الكيفية التي يعتزم بها الناتو إحباط أي هجوم إذا وقع بالفعل. وأكد غرينكيفيتش أن الحلف يسعى إلى وقف أي اعتداء وإفشال أهدافه، وتعطيل منظومة العمليات العسكرية التي تتيح للخصم مواصلة القتال. وشدد على أن أي هجوم على إحدى الدول الأعضاء يجب أن ينتهي إلى الفشل، مع تأكيد أن الناتو تحالف دفاعي لا يسعى إلى إشعال مواجهة جديدة.
«نظرية النصر».. من الردع إلى الاستعداد للحرب
تكمن أهمية الخطاب في أنه يضع مسألة الاستعداد العسكري في صدارة الرسائل الموجهة إلى موسكو، خصوصا مع تنامي المخاوف الأوروبية من الهجمات السيبرانية والتخريب والتوغلات الجوية بالطائرات المسيّرة، وهي أنشطة تندرج ضمن ما يُعرف بالتهديدات الهجينة.
وتشير التغطيات المنشورة إلى أن التصور العسكري المطروح يستفيد من دروس الحرب في أوكرانيا، مع التركيز على الاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة والأنظمة الذاتية والذكاء الاصطناعي، إلى جانب تسريع تبادل المعلومات بين القوات الحليفة وتعزيز قدرتها على استهداف مراكز القيادة والإمداد عند الضرورة.
ولا تعني هذه الاستعدادات أن مواجهة عسكرية مباشرة باتت حتمية، لكنها تعكس سعي الحلف إلى رفع كلفة أي هجوم محتمل، وإقناع موسكو بأن تحقيق مكاسب عسكرية عبر استهداف أراضي الناتو سيكون بالغ الصعوبة. كما تطرح هذه الاستراتيجية تساؤلات بشأن قدرة الدول الأعضاء على توفير التمويل والذخائر والتكنولوجيا اللازمة لتحويل الخطط العسكرية إلى قدرات فعلية على الأرض.
بروكسل تشدد الضغط.. والهجمات الهجينة على جدول الأعمال
بالتوازي مع التحرك العسكري، يناقش وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي، خلال اجتماعهم في لوكسمبورغ، تصاعد الأنشطة الهجينة المنسوبة إلى روسيا، وسبل تعزيز الاستجابة الأوروبية لها، إلى جانب استمرار الدعم لأوكرانيا وتكثيف الضغط على موسكو.
وتشمل المخاوف الأوروبية هجمات إلكترونية وأعمال تخريب وتدخلات معلوماتية وحوادث مرتبطة بالطائرات المسيّرة والبنية التحتية الحيوية. وتكمن صعوبة هذه التهديدات في أنها قد تتيح إلحاق أضرار أمنية واقتصادية بالدول المستهدفة من دون الوصول بالضرورة إلى مستوى الهجوم العسكري التقليدي الذي يستدعي ردًا جماعيًا مباشرًا من الحلف.
وتتجه المناقشات أيضا إلى تشديد القيود المفروضة على دخول مواطنين روس إلى الاتحاد، بما في ذلك مقترحات تستهدف دبلوماسيين روسًا وعسكريين سابقين. وتأتي هذه التحركات ضمن مسار أوروبي أوسع لتقليص المخاطر الأمنية المرتبطة بالحرب الروسية على أوكرانيا، مع استمرار الجدل حول كيفية الموازنة بين متطلبات الأمن والضوابط القانونية والسياسية المتعلقة بحرية التنقل.
وفي تطور يعكس تشدد هذا المسار، أعلن الاتحاد الأوروبي، اليوم، فرض عقوبات على نحو 1600 شخص وكيان مرتبطين بالصناعات العسكرية الروسية، في واحدة من أكبر دفعات الإدراج منذ بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا. وتستهدف العقوبات، من بين أمور أخرى، سلاسل توريد مكونات الطائرات المسيّرة والصواريخ، إلى جانب أفراد متهمين بالمشاركة في تنظيم انتخابات وصفتها بروكسل بأنها صورية في الأراضي الأوكرانية المحتلة.
كما يتناول اجتماع الوزراء تطورات الشرق الأوسط، بما يشمل المستجدات المتعلقة بإيران وحرية الملاحة، فضلا عن الأوضاع في غزة والضفة الغربية، في ظل اتساع الملفات التي تضغط على أجندة السياسة الخارجية الأوروبية.
أوروبا أمام اختبار مزدوج
تكشف هذه التطورات عن مشهد أوروبي تتداخل فيه الاستعدادات العسكرية مع أدوات الضغط الدبلوماسي والاقتصادي. فبينما يسعى الناتو إلى إظهار قدرته على إحباط أي هجوم محتمل، يعمل الاتحاد الأوروبي على توسيع العقوبات ومواجهة التهديدات الهجينة، في وقت يظل فيه استمرار الحرب الروسية الأوكرانية أحد أبرز مصادر عدم اليقين الأمني والاقتصادي في القارة.
لكن التحدي لا يقتصر على إعلان الخطط أو توسيع قوائم العقوبات، بل يمتد إلى مدى قدرة الدول الأوروبية على تنسيق مواقفها، وتوفير الموارد اللازمة للدفاع، والحفاظ على تماسكها السياسي، وتجنب انزلاق الردع إلى تصعيد يصعب احتواؤه.
وبين رسائل وارسو العسكرية، وتحركات بروكسل الدبلوماسية، وإعلان ستوكهولم الاقتصادي، تبدو أوروبا أمام اختبار متعدد الأبعاد حول كيفية حماية أمنها ودعم أوكرانيا وتواجه الضغوط الروسية، من دون إغلاق مسارات الحل السياسي أو زيادة مخاطر المواجهة؟
