تحليل – باريس
لم تعد الاحتجاجات الطلابية في فرنسا مجرد موجة غضب عابرة أمام بوابات المدارس. ما بدأ في ضواحي باريس بسبب نقص المدرسين، واكتظاظ الفصول وتدهور البنية التعليمية، تحول إلى حركة احتجاجية وطنية تضع الحكومة الفرنسية أمام اختبار سياسي وأمني وأخلاقي بالغ الخطورة.
وفي أحدث تطورات المشهد، شهدت فرنسا اليوم الثلاثاء أكبر أيام التحرك الطلابي منذ بداية الأزمة، مع إغلاق أو حصار نحو 1800 مدرسة، وخروج طلاب ومدرسين وأولياء أمور إلى الشوارع في مدن عدة. والأخطر أن المواجهة لم تعد بين الطلاب والحكومة فقط، بل بدأت تتحول إلى صراع على معنى السلطة نفسها.
الرئيس الفرنسي لا يستطيع الترشح لولاية ثالثة، وحكومته تواجه أزمة مالية خانقة وبرلمانا منقسما، وانتخابات رئاسية تقترب، فيما تتقدم قوى اليمين المتطرف في استطلاعات الرأي. وفي هذه البيئة، تتحول الاحتجاجات الطلابية من قضية تعليمية إلى قضية سياسية تهدد إرث ماكرون كله. فهل يمكن لماكرون أن يحاول نقل مركز الثقل من الشارع الفرنسي إلى الخطر الروسي؟
من أزمة المدارس إلى أزمة الدولة
الاحتجاجات لم تنفجر بسبب قضية واحدة، فالطلاب يتحدثون عن نقص المدرسين، واكتظاظ الفصول، وساعات الدراسة الطويلة، وتدهور المباني المدرسية. ةالحكومة نفسها اضطرت إلى تقديم وعود بمراجعة ساعات الدراسة، وتأمين بدلاء للمدرسين الغائبين وإصلاح المدارس.
لكن هذه المطالب التعليمية أصبحت وعاء لغضب أوسع. حيث هناك شعور متزايد لدى شرائح من الفرنسيين بأن الدولة تطلب منهم مزيدا من التقشف، بينما تتراجع الخدمات العامة وتزداد أعباء المعيشة، وتتصاعد الديون.
الحكومة الفرنسية قدمت مشروع موازنة لعام 2027 يقوم على إجراءات تقشفية بقيمة نحو 54 مليار يورو، في وقت وصلت فيه الديون إلى مستويات قياسية، وارتفعت تكلفة الاقتراض الفرنسي إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات.
أي أن المشكلة ليست أن الحكومة لا تريد الإنفاق على التعليم فقط؛ بل إن هامش المناورة المالي نفسه أصبح ضيقا، وبالتالي فإن ما يطلبه الطلاب يصطدم مباشرة بما تخشاه الأسواق المالية.
وعندما يعجز الداخل.. يأتي الخارج
في السياسة، لا يحتاج الرئيس بالضرورة إلى اختلاق أزمة خارجية حتى يستفيد منها، يكفي أن تكون الأزمة موجودة بالفعل.
روسيا تمثل بالنسبة لفرنسا وأوروبا خصما حقيقيا في سياق الحرب الأوكرانية والتوتر المتصاعد بين موسكو وحلف شمال الأطلسي. وماكرون نفسه حذر في سبتمبر من تصاعد ما وصفه بالتهديد الروسي الهجين ضد فرنسا وأوروبا.
وفي الأول من أكتوبر، صعّد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لهجته محذرا من أن روسيا ستستخدم “كل الأسلحة” في حال تعرض أراضيها لهجوم، وسط تصاعد التوترات حول الناتو ومنطقة كالينينغراد.
واليوم، وفي توقيت بالغ الحساسية، أجرت فرنسا اختبارا لصاروخها الباليستي البحري الجديد M51.3، في خطوة قالت وزارة الدفاع إنها تأتي لتعزيز الردع النووي الفرنسي، وسط توترات متزايدة مع روسيا.
فهل هذه مجرد مصادفة سياسية؟ ربما. لكن السياسة لا تُقرأ فقط بما يحدث، بل أيضا بتوقيت حدوثه وكيفية استخدامه في الخطاب العام.
هل يستطيع ماكرون إعادة تعريف المعركة؟ هذه هي النقطة الأكثر حساسية. فإذا كان السؤال المطروح أمام الفرنسيين هو لماذا مدارسنا بلا مدرسين؟ ولماذا لا توجد أموال كافية للتعليم؟ فإن الحكومة تجد نفسها في موقع دفاعي. أما إذا أصبح السؤال عن كيف نحمي فرنسا من التهديد الروسي؟ فإن قواعد النقاش تتغير بالكامل.
الأمن القومي يسمح للسلطة بأن تتحدث بلغة مختلفة؛ مرتبطة بالتضحية والوحدة الوطنية،الدفاع عن أوروبا، ومواجهة التهديد الخارجي. وهنا يمكن أن يتحول الخصم الخارجي إلى وسيلة لإعادة ترتيب الأولويات الداخلية.
هل يمكن أن يستخدم النظام الفرنسي هذا التوتر عندما تحتاج إليه؟ الجواب على الأرجح: نعم. لكن الشارع الفرنسي ليس ساذجا، والخطر على الإليزيه هو أن محاولة نقل النقاش إلى الخارج قد تأتي بنتيجة عكسية.
فالطالب الذي يقف أمام مدرسة مكتظة، ولا يجد مدرسا ولا يرى مستقبلا واضحا قد لا تعنيه كثيرا التحذيرات المتعلقة بموسكو.
والأسرة التي تواجه ارتفاع تكاليف المعيشة قد تسأل سؤالا بسيطا ومختصرا، كيف تستطيع الدولة تمويل الردع النووي ومواجهة روسيا، بينما تقول لنا إنه لا توجد أموال كافية للمدارس؟ وهذا هو السؤال الذي يمكن أن يقلب السحر على الساحر.
لأن الأمن القومي لا يلغي الأمن الاجتماعي. والدولة التي تطلب من المواطن أن يستعد لحرب محتملة، مطالبة في الوقت نفسه بأن تثبت له أنها قادرة على حماية حياته اليومية.
ورطة ماكرون الحقيقية ليست روسيا بل الداخل
قد يكون من الخطأ اختزال الأزمة الفرنسية في شخص ماكرون وحده. فالرئيس أصبح في نهاية ولايته، ولا يستطيع الترشح مجددا، بينما تتحرك القوى السياسية استعدادا للمعركة الرئاسية المقبلة.
لكن المشكلة أن أي أزمة كبيرة في نهاية العهد تتحول تلقائيا إلى استفتاء على الإرث السياسي للرئيس وللنظام نفسه.
من المدرسة إلى موسكو.. معركة على الأجندة
هل يستطيع ماكرون أن يجعل الخطر الروسي يتصدر الأجندة السياسية الفرنسية في الوقت الذي يتصاعد فيه الغضب الاجتماعي؟
إذا نجحت الحكومة في تهدئة المدارس، وفتح حوار مع الطلاب، وتقديم تنازلات محدودة، فقد تستطيع احتواء الأزمة.
أما إذا استمرت المواجهات، وسقط مزيد من المصابين، وتحولت الاحتجاجات إلى حركة اجتماعية أوسع، فإن الحديث عن روسيا لن يكون كافيا، بل قد يصبح سلاحا ذا حدين.
فالفرنسيون قد يتوحدون في مواجهة تهديد خارجي، لكنهم قد يسألون أيضا، لماذا تطلب منا الدولة الاستعداد لحرب مع روسيا بينما تعجز عن توفير مدرس داخل الفصل؟ وهنا تصبح موسكو ليست طوق نجاة لماكرون، بل مرآة تكشف عمق الأزمة الفرنسية.
ما يحدث في فرنسا ليس مجرد احتجاج طلابي، ولا مجرد أزمة حكومية عابرة. إنه صدام بين دولة تريد ضبط الإنفاق، ومجتمع يريد خدمات عامة أفضل، وشباب يشعر بأن المستقبل يُغلق أمامه، ونظام سياسي يستعد لمرحلة ما بعد ماكرون.
أما روسيا، فهي بالفعل خصم استراتيجي حقيقي في الحسابات الفرنسية والأوروبية، وليست عدوا اخترعته باريس من العدم. لكن الخطر السياسي يبدأ عندما تتحول المواجهة الخارجية إلى بديل عن الإجابة على الأسئلة الداخلية.
المعركة المقبلة في فرنسا لن تكون فقط بين باريس وموسكو، بل بين السلطة والشارع على سؤال واحد، من يملك حق تحديد ما يجب أن تخشاه فرنسا؟
