تقرير – إسبانيا
من صورة هزّت الضمير الإنساني إلى مقابر مجهولة الهوية.. مضيق جبل طارق يتحول إلى مقبرة مفتوحة لأحلام آلاف المغاربة الباحثين عن لقمة العيش
ليس الأول من نوفمبر يوما عاديا في ذاكرة الحركة الحقوقية الإسبانية، ولا في وجدان الجمعيات والمنظمات المدافعة عن حقوق المهاجرين. إنه تاريخ محفور في الذاكرة الإنسانية، يعود إلى سنة 1988، حين لفظت مياه مضيق جبل طارق، على أحد شواطئ مدينة طريفة بأقصى الجنوب الإسباني، جثة شاب مغربي لم يكن قد تجاوز الخامسة والعشرين من عمره، في مشهد وثّقه المصور الصحفي الإسباني Ildefonso Sena، لتتحول الصورة إلى شاهد تاريخي على بداية واحدة من أكثر المآسي الإنسانية إيلاما في المنطقة.
صورة لم تكن مجرد توثيق لجثة لفظها البحر، بل كانت إعلانا مبكرا عن مأساة إنسانية ستتواصل فصولها لعقود، وعن مقبرة مائية مفتوحة ستبتلع آلاف الأرواح، وتبدد أحلام شباب اختاروا مواجهة أمواج الموت بحثا عن حياة كريمة على الضفة الأخرى من المتوسط.
منذ ذلك التاريخ، لم يعد مضيق جبل طارق مجرد معبر بحري يفصل بين قارتين، بل أصبح شاهدا على مأساة متواصلة، عنوانها قوارب الموت، وأجساد لم تجد طريق العودة، وعائلات ظلت معلقة بين الانتظار والأمل والفقدان، في ظل آلاف المفقودين الذين لم يُعثر على جثامينهم، وآلاف الضحايا مجهولي الهوية الذين وُوريت أجسادهم الثرى في مقابر إسبانية دون أن تتمكن عائلاتهم من معرفة مصيرهم أو تحديد أماكن دفنهم.
وفي تصريح لـ “صدى الحقيقة”، اعتبر عزيز صابر، عضو منظمة هاتف الإنذار لإنقاذ المهاجرين بالمتوسط، أن فاتح نونبر 1988 يشكل محطة مفصلية في تاريخ الهجرة المغربية نحو إسبانيا، باعتباره التاريخ الذي ظهرت فيه أول جثة لمهاجر مغربي بأحد شواطئ مدينة طريفة جنوب البلاد.

وأوضح صابر أن ذلك التاريخ دشّن صفحة مأساوية جديدة من نزيف الهجرة المغربية نحو الضفة الشمالية لمضيق جبل طارق، حيث وجد آلاف الشباب أنفسهم أمام خيار محفوف بالموت، بعدما ضاقت بهم سبل العيش، وانسدت أمامهم آفاق المستقبل، في ظل استمرار الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة.
وأضاف أن هذه الرحلات لم تكن مجرد مغامرات فردية أو اختيارات معزولة، بل تعبيرا عن واقع اجتماعي مأزوم يدفع الفئات الكادحة والمهمشة إلى المخاطرة بأرواحها، بحثا عن فرص الشغل والعيش الكريم، مخلفة وراءها آلاف المفقودين الذين لا تزال عائلاتهم تنتظر معرفة مصيرهم، فضلا عن جثامين مجهولة الهوية دُفنت في المقابر الإسبانية دون أن تجد طريقها إلى أهلها.
وشدد المتحدث على أن هؤلاء الضحايا يستحقون أن يُنظر إليهم باعتبارهم شهداء لقمة العيش، لأنهم لم يغادروا أوطانهم بحثا عن الترف، وإنما دفعتهم الحاجة وغياب فرص التنمية الحقيقية والمستدامة إلى ركوب قوارب الموت، في ظل اختلالات بنيوية مرتبطة بتوزيع الثروة، واحتكار خيرات البلاد، وغياب العدالة الاجتماعية، فضلاً عن السياسات الاقتصادية التي تخدم، بحسب تعبيره، مصالح التكتلات الطبقية والدوائر الإمبريالية الغربية.
واعتبر صابر أن الهجرة غير النظامية تحولت إلى المنفذ الأخير أمام قطاعات واسعة من الكادحين والمهمشين، في ظل استمرار البطالة والهشاشة والتهميش وانسداد آفاق الإدماج الاقتصادي والاجتماعي، مؤكدا أن استمرار هذه المأساة يعكس فشل السياسات التنموية في توفير شروط العيش الكريم وصون حق المواطنين في مستقبل آمن داخل وطنهم.
بعد 38 سنة على تلك الصورة الصادمة، لا يزال السؤال ذاته يفرض نفسه بإلحاح؛ كم من شاب ابتلعه البحر منذ ذلك اليوم؟ وكم من أم لا تزال تنتظر عودة ابنها؟ وكم من أب رحل عن الحياة دون أن يعرف أين انتهى مصير فلذة كبده؟ وكم من عائلة لا تملك حتى قبرا تزوره أو اسما تتشبث به في مواجهة النسيان؟
إن استحضار ذكرى فاتح نونبر ليس مجرد استعادة لصورة من أرشيف الصحافة الإسبانية، ولا مناسبة عابرة لإحياء ذكرى ضحايا مجهولي الهوية، بل هو تجديد لشهادة تاريخية على مأساة إنسانية وسياسية واجتماعية لا تزال مستمرة، وعلى ضرورة مساءلة السياسات التي تجعل من الهجرة محفوفة بالموت، ومن البحث عن لقمة العيش مغامرة قد تكون نهايتها قاع البحر.
وإن وراء كل جثة لفظتها الأمواج حكاية إنسان، ووراء كل مفقود عائلة مكلومة، ووراء كل قارب انطلق نحو الضفة الأخرى حلم لم يجد طريقه إلى التحقق في وطنه.
فالبحر لم يكن يوما سبب المأساة وحده؛ إنما المأساة الحقيقية أن يصبح الموت في عرض المتوسط أهون لدى البعض من الاستمرار في حياة بلا أفق.
الأول من نوفمبر 1988.. ذاكرة لا ينبغي أن تُنسى، وجرح لا يزال مفتوحا، وشهداء لقمة العيش الذين يستحقون الحقيقة والكرامة والإنصاف.
