بروكسيل – بلجيكا
في تطور أثار صدمة داخل الأوساط الأمنية والسياسية في بلجيكا، تعرضت شرطية تعمل ضمن فريق التحقيق في قضية “قطر غيت” (Qatargate) لاعتداء عنيف في مقاطعة لييج، ما أسفر عن إصابتها بجروح خطيرة في الوجه والفك، بينما فتحت النيابة العامة البلجيكية تحقيقًا بتهمة محاولة القتل.
ورغم أن السلطات البلجيكية لم تعلن حتى الآن وجود علاقة مباشرة بين الاعتداء وعمل الضحية في ملف “قطر غيت”، فإن كونها من أعضاء الفريق الذي يقود أحد أكبر تحقيقات الفساد في تاريخ البرلمان الأوروبي جعل الحادثة تثير الكثير من التساؤلات.
من قضية فساد إلى أزمة أوروبية
بدأت قضية “قطر غيت” في ديسمبر 2022 عندما نفذت الشرطة الفيدرالية البلجيكية سلسلة مداهمات في بروكسل، عثرت خلالها على مئات آلاف اليوروهات نقدًا داخل حقائب ومنازل تعود إلى شخصيات مرتبطة بالبرلمان الأوروبي.
وسرعان ما تحولت القضية إلى أكبر فضيحة فساد تضرب مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بعدما تحدث المحققون عن شبكة يُشتبه في أنها عملت على التأثير في قرارات البرلمان الأوروبي عبر الرشاوى والهدايا وغسل الأموال.
وكان النائب الأوروبي الإيطالي السابق أنطونيو بانزيري الشخصية المحورية في التحقيق، قبل أن يبرم اتفاقًا مع القضاء البلجيكي ويتحول إلى شاهد متعاون مقابل تخفيف العقوبة.
لماذا لم تعد تسمى القضية “قطر” فقط؟
رغم أن اسم القضية ارتبط بقطر، فإن وثائق التحقيق البلجيكية منذ بدايتها لم تقتصر على الدوحة.
فقد أشارت التحقيقات أيضًا إلى المغرب باعتباره من الجهات التي اشتبه المحققون في سعيها إلى التأثير في بعض أعضاء البرلمان الأوروبي عبر وسطاء وشبكات نفوذ.
ومن بين الأسماء التي وردت في ملف التحقيق: السفير المغربي لدى بولندا عبد الرحيم عتمون.
والنائب الأوروبي السابق أنطونيو بانزيري.
مساعده فرانشيسكو جورجي. وأيضا نائبة رئيس البرلمان الأوروبي السابقة إيفا كايلي.
وبحسب الادعاء البلجيكي، كانت هناك شبهات بوجود قنوات اتصال بين بعض هذه الشخصيات وشبكات ضغط تعمل لصالح دول أجنبية، من بينها قطر والمغرب.
موقف المغرب
المغرب نفى منذ اليوم الأول جميع الاتهامات.
وأكدت الرباط أن ما ورد في التحقيقات البلجيكية يفتقر إلى الأدلة، ووصفت الاتهامات بأنها تستند إلى مزاعم غير مثبتة.
وفي عام 2024، قررت السلطات القضائية البلجيكية عدم الاستمرار في ملاحقة بعض المشتبه بهم المغاربة داخل بلجيكا، مع إحالة بعض الجوانب ذات الصلة إلى السلطات المغربية وفق قواعد التعاون القضائي. ولم يصدر حتى الآن حكم قضائي يُدين الدولة المغربية أو يثبت تورطها رسميًا.
التحقيق لم يتوقف
خلافًا لما اعتقده كثيرون، فإن ملف “قطر غيت” لم يُغلق. فخلال عامي 2025 و2026 استمرت التحقيقات، وصدرت مذكرات توقيف جديدة، كما توسعت دائرة الأشخاص الذين يخضعون للتحقيق، بمن فيهم مسؤولون أوروبيون سابقون، ما يشير إلى أن القضاء البلجيكي لا يزال يعتبر القضية مفتوحة.
هل الاعتداء مرتبط بالملف؟ هذا هو السؤال الذي يشغل الرأي العام الأوروبي.
حتى الآن، لا يوجد أي تصريح رسمي يؤكد أن الاعتداء على المحققة مرتبط مباشرة بتحقيقاتها في “قطر غيت”.
لكن في المقابل، فإن استهداف محققة تعمل في هذا الملف الحساس دفع وسائل الإعلام البلجيكية إلى اعتبار الاحتمال جديرًا بالمتابعة، دون القفز إلى استنتاجات لا تدعمها الأدلة.
ويبقى أمام المحققين عدة فرضيات، منها أن يكون الاعتداء جنائيًا بحتًا، أو مرتبطًا بعملها في ملفات أخرى، أو ذا صلة بتحقيقات الفساد، وهي فرضيات لا يزال التحقيق يعمل على اختبارها.
لماذا تثير القضية كل هذا الاهتمام؟
لأنها ليست مجرد قضية رشاوى، بل تمس واحدة من أهم مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وتطرح أسئلة حول مدى قدرة دول أو جماعات ضغط على التأثير في صناعة القرار الأوروبي.
ومع الاعتداء الأخير على إحدى المحققات، عاد الملف إلى صدارة المشهد، ليس لأن هناك دليلا جديدا على وجود مؤامرة، بل لأن الحادثة أعادت التذكير بأن واحدة من أكثر قضايا الفساد حساسية في أوروبا ما تزال مفتوحة، وأن كثيرًا من خيوطها لم تُحسم بعد.
