تقرير – دمشق
ما يجري في سوريا اليوم يعيد فتح واحد من أخطر الأسئلة في المنطقة حول ما إذا كان إسقاط الدولة السورية التي شكّلت ركنا أساسيا في محور المقاومة مجرد تغيير سياسي، أم أنه كان بداية مرحلة جديدة تهدف إلى إعادة تشكيل سوريا ووضعها في مسار يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية؟
فمنذ سقوط النظام السوري السابق وصعود محمد الجولاني زعيم “جبهة النصرة” الإرهابية إلى السلطة، دخلت البلاد مرحلة مختلفة من تاريخها، تزامنت مع تصاعد التدخلات الخارجية، وتوسع الاعتداءات الإسرائيلية، واستهداف مواقع عسكرية وسيادية في قلب العاصمة دمشق واحتلال الجنوب السوري وصولا إلى ريف دمشق عاصمة القرار السياسي الذي يتحكم فيه نتنياهو.
وجاءت المكالمة الهاتفية التي أعلن عنها بنيامين نتنياهو مع الجولاني، ووصفها بأنها «قصيرة وحادة»، لتسلط الضوء على طبيعة العلاقة التي تتشكل بين تل أبيب والسلطة الجديدة في دمشق، وتفتح الباب أمام تساؤلات كبيرة بشأن حقيقة ما يجري خلف الكواليس.
نتنياهو يهدد.. ودمشق تفقد السيادة على قرارها
في يوليو 2025، شنت إسرائيل غارات استهدفت وزارة الدفاع ومقر هيئة الأركان العامة ومحيط القصر الرئاسي في دمشق، في تصعيد عسكري غير مسبوق استهدف مواقع تمثل قلب المؤسسة العسكرية والسيادية السورية.
وفي أكتوبر الأول 2026، عاد نتنياهو إلى الحديث عن اتصاله بالشرع خلال أحداث السويداء، كاشفا عن مكالمة وصفها بالحادة، في مشهد يعكس حجم الضغط الإسرائيلي الذي تواجهه السلطة الجديدة.
وهنا تتجلى المفارقة، حيث أن دولة كانت تمثل موقعا استراتيجيا في محور المقاومة، وتواجه “إسرائيل” على امتداد عقود، أصبحت عاصمتها محتلة من “إسرائيل”، فيما باتت العلاقة بين قيادتها الجديدة ورئيس الحكومة الإسرائيلية أمرا واقعا.
فهل كانت هذه مجرد تطورات متفرقة، أم أن ما يجري يمثل حلقات متتابعة في إعادة رسم المشهد السوري؟
من إسقاط الدولة المقاومة إلى إعادة تشكيل سوريا
إن قراءة المشهد من زاوية المصالح الاستراتيجية تكشف عن تحولات عميقة في موازين القوى. فسقوط النظام السابق لم يغيّر شكل الحكم في دمشق فحسب، بل أدى أيضا إلى تراجع موقع سوريا في محور المقاومة، وفتح الباب أمام ترتيبات إقليمية جديدة.
إن ما يجري ينسجم مع هدف استراتيجي طالما سعت إسرائيل إلى تحقيقه وهو إخراج سوريا من معادلة المواجهة، وإضعاف قدرتها العسكرية، ومنعها من استعادة دورها الإقليمي السابق.
هل كانت حماية الدروز عنوانا لفرض واقع جديد؟
رفعت إسرائيل شعار حماية الدروز لتبرير تدخلها في السويداء، لكن ضرب مؤسسات عسكرية وسيادية في دمشق نقل الأحداث إلى مستوى يتجاوز حدود المحافظة وأزمتها الداخلية.
فالقصف الإسرائيلي لم يقتصر على مواقع مرتبطة بالمواجهات المحلية، بل طال مؤسسات تمثل مركز القرار العسكري والسيادي للدولة السورية. وهو ما يضع التطورات في سياق أوسع يتعلق بمستقبل الدولة السورية، وحدود انتشار قواتها، وقدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة بعيدا عن الإملاءات الخارجية.
وهكذا، تتحول الأزمات الداخلية المختلقة من طرف سلطة دمشق إلى مدخل تتوسع من خلاله التدخلات الخارجية، فيما تبقى وحدة سوريا وسيادتها وموقعها الإقليمي في قلب الصراع على مستقبل المنطقة.
واشنطن وتل أبيب.. من المستفيد من سوريا الجديدة؟
لا يمكن فصل المشهد السوري عن الحسابات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. فإضعاف الدولة السورية، وإنهاء دورها في محور المقاومة، وتزايد حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية داخل أراضيها، كلها تحولات تصب في اتجاه إعادة ترتيب موازين القوى الإقليمية.
وفي الوقت الذي تسعى فيه واشنطن إلى تعزيز نفوذها في المنطقة، تعمل إسرائيل على تثبيت واقع أمني جديد يحد من مصادر التهديد المحيطة بها، ويمنحها مساحة أوسع للتحرك العسكري والسياسي.
ومن هنا، فإن ما حدث لا يمكن اختزاله في تغيير حاكم بآخر، بل يجب النظر إليه باعتباره تحولا استراتيجيا في موقع سوريا، قد ينتهي إلى إخراجها من معادلة المقاومة وإدخالها في ترتيبات تتوافق مع المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
أما المكالمة الحادة بين نتنياهو والشرع، فقد أعادت تسليط الضوء على هذه التحولات، وعلى طبيعة العلاقة التي تتشكل بين الطرفين في مرحلة يُعاد فيها رسم مستقبل سوريا.
إن أخطر ما في المشهد السوري ليس فقط سقوط السلطة السابقة، بل ما أعقبه من تغيرات في موازين القوى، واتساع التدخل الإسرائيلي، واستهداف مؤسسات الدولة، وتراجع الدور السوري في معادلات الصراع الإقليمي.
فالمسألة تتجاوز الأشخاص والأسماء إلى سؤال أكبر حولمن يحدد مستقبل سوريا، ولصالح أي مشروع تتحرك البلاد؟
وبين القصف الإسرائيلي والاتصالات السياسية والضغوط الإقليمية، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كانت سوريا تتجه نحو استعادة دورها وسيادتها، أم نحو واقع جديد ترسمه الصهيوأمريكية، فيما تتحقق لإسرائيل مكاسب استراتيجية طالما سعت إليها.
فهل كان إسقاط الدولة السورية المقاومة بداية الطريق لإعادة تشكيل سوريا وفق المصالح الأمريكية والإسرائيلية؟ وهل تكشف المكالمة بين نتنياهو والشرع جانبا من ملامح هذا التحول؟
إن الإجابة عن هذين السؤالين باتت في صلب النقاش حول مستقبل سوريا وموقعها في المنطقة، ومصير الصراع العربي الإسرائيلي.
