تقرير/
لم تنجح الولايات المتحدة في إعادة إنتاج “السيناريو الفنزويلي” داخل إيران، رغم ما كشفته تسريبات وتقارير أمريكية عن وجود تصورات أمريكية–إسرائيلية مبكرة لإعادة تدوير الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد ومنحه دورا سياسيا محوريا خلال الحرب الأخيرة.
وبحسب ما جرى تداوله عن مسؤولين أمريكيين، فإن إحدى الضربات الإسرائيلية في طهران استهدفت موقع “الإقامة الجبرية” أو الاحتجاز المنزلي المفروض على أحمدي نجاد، ليس بهدف اغتياله، بل بهدف “تحريره” عبر تصفية العناصر الأمنية التابعة للحرس الثوري التي تشرف على احتجازه. كما تحدثت التسريبات عن قناعة داخل دوائر أمريكية بأن أحمدي نجاد يمكن أن يلعب “دورا بالغ الأهمية” في مستقبل إيران، ضمن خطة لإيجاد شخصية من داخل النظام قادرة على إدارة مرحلة انتقالية والتفاهم مع الغرب.
لكن هذه المقاربة تعكس، بحسب مراقبين، سوء تقدير أمريكي لطبيعة النظام الإيراني وتعقيد بنيته السياسية والأمنية. فواشنطن حاولت، على ما يبدو، استنساخ نموذج استخدمته سابقا في فنزويلا، حيث جرى التعويل على شخصيات من داخل الأنظمة لإحداث تحولات سياسية تدريجية دون انهيار كامل لمؤسسات الدولة.
غير أن إيران تختلف جذريًا عن تلك النماذج. فالنظام الإيراني لا يقوم على شخص الرئيس وحده، بل على منظومة متشابكة من المؤسسات العقائدية والعسكرية والأمنية، يتصدرها الحرس الثوري والمؤسسة الدينية، ما يجعل أي محاولة لإعادة تشكيل السلطة من الداخل أكثر تعقيدا وكلفة.
ويرى محللون أن الرهان على أحمدي نجاد تحديدًا يكشف حجم الارتباك الأمريكي، فالرجل الذي كان يوما أحد أبرز وجوه المشروع الثوري الإيراني لا يمكن بسهولة تحويله إلى “نسخة إيرانية” من شخصيات سياسية استخدمت لإعادة هندسة السلطة في دول أخرى. كما أن أي تدخل خارجي مباشر في ملف القيادة داخل إيران يؤدي غالبًا إلى نتيجة عكسية، إذ يدفع أجنحة النظام المختلفة إلى التماسك بدل الانقسام.
وبحسب ما كشفته صحيفة نيويورك تايمز، فإن واشنطن وتل أبيب لم تكونا تتحركان فقط في إطار المواجهة العسكرية، بل ضمن مشروع سياسي كامل لإعادة تشكيل السلطة في طهران من الداخل، عبر الدفع بشخصيات محسوبة على النظام نفسه لتولي مرحلة ما بعد الحرب.
غير أن الخطة اصطدمت بحقيقة مختلفة تمامًا عن الحسابات الأمريكية. فإيران لم تتحول إلى نسخة أخرى من فنزويلا، ولم ينجح الرهان على إنتاج “بديل داخلي” قادر على تفكيك النظام أو إعادة توجيهه سياسيًا. بل كشفت التطورات أن بنية الجمهورية الإسلامية أكثر تماسكا وتعقيدا من أن تُخترق عبر سيناريوهات جاهزة أو شخصيات يجري إعادة تدويرها تحت ضغط الحرب.
ما حدث، وفق هذه المعطيات، لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل محاولة أمريكية–إسرائيلية لإعادة هندسة المشهد الإيراني بالكامل، انتهت إلى فشل واضح في تحقيق هدفها السياسي الأهم وهو صناعة قيادة جديدة من داخل النظام نفسه.
