بلباو/ إسبانيا
في واحدة من أكثر المناطق توتراً في العالم، حيث تمر ناقلات النفط العملاقة تحت أعين الأساطيل العسكرية والطائرات المسيّرة، وحيث يمكن لصاروخ واحد أن يهزّ الاقتصاد العالمي، يبرز اسم ريفي/باسكي قادم من مدينة الحسيمة الهادئة شمال المغرب، كرجلٍ بات البحّارة العالقون في مضيق هرمز يبحثون عنه قبل أي جهة أخرى.
إنه القائد النقابي محمد الراشدي، النقابي الريفي الذي تحوّل خلال السنوات الأخيرة إلى صوت آلاف البحّارة المحاصرين وسط الأزمات البحرية والحروب الإقليمية، خصوصاً مع تصاعد التوتر في الخليج الفارسي وتهديد الملاحة الدولية في مضيق هرمز بسبب العدوان الصهيوأمريكي على إيران، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
من الحسيمة إلى أخطر ممر بحري في العالم
لم يكن اسم محمد الراشدي معروفا لدى الرأي العام المغربي قبل أن تبدأ الصحف العالمية في الحديث عنه بوصفه “رجل النجدة” للبحّارة العالقين في الخليج. لكن داخل عالم النقل البحري والنقابات الدولية، كان الرجل قد راكم تجربة طويلة داخل الاتحاد الدولي لعمال النقل البحري، حيث يشغل مهام مرتبطة بحماية حقوق البحّارة ومتابعة أوضاعهم الإنسانية.
يعيش الراشدي في مدينة بلباو الباسكية شمال إسبانيا، حيث مقر عمله، وينحدر من مدينة الحسيمة، المدينة الريفية المطلة على المتوسط، والتي طالما ارتبط أبناؤها بالهجرة والبحر والقرصنة والعمل الشاق. وربما لهذا السبب استطاع أن يفهم بسرعة حياة البحّارة الذين يقضون أشهرا طويلة بعيدا عن أسرهم، بين العواصف البحرية والضغوط النفسية والخوف الدائم من الحوادث والحروب.
لكن ما جعل اسمه يطفو عالميا هو الأزمة المتصاعدة في مضيق هرمز، الشريان البحري الذي يمر عبره جزء ضخم من نفط العالم وتجارته.
مضيق هرمز… عنق الاقتصاد العالمي
يقع مضيق هرمز بين إيران وسلطنة عمان، ويُعتبر من أكثر النقاط حساسية في العالم. أي اضطراب أمني فيه ينعكس فورا على أسعار النفط وأسواق المال والتجارة الدولية.
ومع تصاعد التوترات العسكرية في المنطقة، وجد آلاف البحّارة أنفسهم عالقين داخل الخليج، غير قادرين على المغادرة أو تبديل الطواقم، بينما تتحرك السفن وسط تهديدات الصواريخ والطائرات المسيّرة.
في هذا المشهد، بدأت الهواتف ترنّ بشكل متواصل لدى محمد الراشدي.
بحّارة من الهند والفلبين وبنغلادش وأوكرانيا يتواصلون معه عبر واتساب ورسائل الاستغاثة. بعضهم يطلب الطعام، وبعضهم يشتكي من تأخر الرواتب، وآخرون يخبرونه أنهم يعيشون حالة خوف حقيقية بعد سماع أصوات الانفجارات قرب السفن.
وفي تصريح خصّ به “صدى الحقيقة”، قال الراشدي:
أتلقى يوميا عشرات، وأحيانا مئات، من طلبات النجدة من بحّارة عالقين في مضيق هرمز أو في مناطق بحرية أخرى حول العالم. هناك من يتصل لأنه خائف، وهناك من لم يحصل على راتبه منذ أشهر، وهناك من يريد فقط أن يسمع صوتا يطمئنه بأن العالم لم ينسه.
وأضاف: أنا ابن الريف، ابن البحر ومضيق جبل طارق، وأعتبره شرفا كبيرا أن أكون طوق نجاة لآلاف العمال العالقين في مضيق هرمز. هؤلاء البحّارة ليسوا أرقاما في تقارير دولية، بل بشر لديهم عائلات وأطفال ينتظرون عودتهم.
وتابع النقابي اليساري، قائلا إن أغلب البحّارة يعيشون ضغطا نفسيا رهيبا بسبب التوترات العسكرية المتواصلة في الخليج، مؤكداً أن بعضهم يشتغل لأشهر طويلة دون أن يتمكن حتى من النزول إلى اليابسة.
وقال أيضا:
حين تنقل القنوات أخبار الصواريخ والحروب، لا أحد يرى الجانب الإنساني داخل السفن. هناك رجال ينامون وهم لا يعرفون إن كانوا سيستيقظون على انفجار أو على خبر يسمح لهم بالعودة إلى بيوتهم.
هذا هو الرجل الذي يتصلون به
صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكية خصصت تقريرا مطولا عن الأزمة الإنسانية للبحّارة في مضيق هرمز، ووصفت الراشدي بأنه الشخص الذي يلجأ إليه البحّارة عندما يشعرون بأن العالم نسيهم.
التقرير تحدث عن أكثر من عشرين ألف بحّار عالقين في المنطقة، يعيشون تحت ضغط نفسي هائل، فيما يقوم الراشدي بالتنسيق مع النقابات والشركات والسلطات البحرية لمحاولة تأمين الحد الأدنى من الحماية لهم.
ولم تكن الصحيفة الأمريكية الوحيدة التي تحدثت عنه. صحف ومواقع دولية أخرى، بينها “فايننشال تايمز” ووسائل إعلام أوروبية وآسيوية، تناولت الدور الذي يقوم به النقابي المغربي داخل شبكة الحماية الدولية للبحّارة، خصوصاً في أوقات النزاعات المسلحة.
بعض التقارير وصفته بأنه “حلقة الوصل بين البحر والعالم الخارجي”، بينما اعتبره آخرون “صوت البحّارة المنسيين”.
الحرب التي لا يراها أحد
بعيداً عن صور الصواريخ والسياسة، هناك حرب أخرى صامتة تجري فوق السفن التجارية.
بحّارة يعملون لأشهر دون راحة، يعيشون القلق من التعرض لهجوم، ويتابعون الأخبار وهم في عرض البحر دون معرفة ما إذا كانوا سيعودون إلى بيوتهم قريباً.
الكثير من هؤلاء البحّارة ليسوا جنودا ولا علاقة لهم بالصراع، لكنهم يجدون أنفسهم في قلبه لأن الاقتصاد العالمي لا يستطيع التوقف.
ومن هنا جاء دور محمد الراشدي، الذي تحوّل من مسؤول نقابي إلى ما يشبه “خط الطوارئ الإنساني” للعالقين في الخليج.
فهو لا يدير المعارك العسكرية، لكنه يحاول يوميا إدارة الخوف الإنساني الذي تخلّفه تلك المعارك.
الريفي/ الباسكي الذي وصل إلى الصحافة العالمية
ما يلفت الانتباه في قصة الراشدي هو أن اسمه برز في واحدة من أكثر القضايا الدولية تعقيداً، رغم أنه لا ينتمي إلى عالم السياسة أو الدبلوماسية التقليدية.
إنه ابن الحسيمة الذي وصل إلى قلب الملفات الجيوسياسية عبر بوابة العمل النقابي والإنساني.
في زمن تتحكم فيه القوى الكبرى بالممرات البحرية، استطاع ريفي أن يصبح مرجعا لآلاف البحّارة الذين يبحثون عن الأمان وسط أخطر بقعة بحرية في العالم.
وربما لهذا السبب لم تعد قصة محمد الراشدي مجرد قصة نقابي ريفي/ إسباني، بل أصبحت قصة رجل وجد نفسه في قلب العاصفة العالمية، يحمل هاتفاً لا يتوقف عن الرنين، فيما لا تزال مئات السفن عالقة في مضيق هرمز وتحت التهديد الأمريكي.
