في ظل تصاعد خطاب يربط الأمازيغية بالتطبيع مع إسرائيل، وتنامي حملات التخوين والاستهداف الهوياتي، تفتح منصة “صدى الحقيقة” هذا النقاش مع إبراهيم الكبلي، الأستاذ الباحث بـ Williams College بالولايات المتحدة الأمريكية. في هذا الحوار، نناقش حقيقة الحديث عن “معهد للدراسات الأمازيغية” في إسرائيل، وخلفيات ربط الأمازيغية بالتطبيع، وما إذا كانت القضية الفلسطينية أصبحت أحيانًا مدخلًا لتصفية حسابات إيديولوجية وهوياتية داخل المغرب، إضافة إلى أسئلة الذاكرة، التاريخ، والتحريض في الفضاء العام.
هناك حديث عن معهد للأمازيغية في إسرائيل.. هل هناك مصادر تؤكد ذلك؟
أشكركم على الاستضافة أولا. أما بخصوص ما نشره صحافي معروف بخصوص وجود معهد إسرائيلي للدراسات الأمازيغية وما تناوله من معلومات في منشوره على الفايس بوك، فقد راودني الشك كأي قارئ يريد التأكد من المعلومات التي يتلقاها فقمت بعمليتين: الأولى، بحثت عن الأسماء الواردة في المقالة فلم أجدها في الأنترنيت. الشبكة العنكبوتية عادة ما تحتوي على معلومات أساسية عن المعاهد وكذلك عن الأشخاص الذاتيين الذين يشتغلون فيها. كما أن هذه المعاهد، لضرورات التمويل والإشهار، عادة ما تنشر سير باحثيها ومنتوجهم العلمي. فلا يمكن أن يكون معهد مؤسس لخدمة الأهداف الاستراتيجية التي نسبها له الصحافي في منشوره دون أن يكون له ذراع إعلامي لنشر هذه الإيديولوجيا وتسويقها على أساس أنها بحث علمي لخلق جو من الثقة في ذهنية المتلقين. الأمر الثاني الذي قمت به هو الاتصال بخبير متخصص في الشأن الإسرائيلي وطلبت من التأكد إن كان هذه المعهد موجودا بالفعل وأخبرني أنه لا معرفة له بوجوده. هنا، يجب على الصحافي أن يقدم لنا الموقع الالكتروني لهذا المعهد وعناوين البحوث التي نشرها وأسماء الباحثين فيه ومجالات اشتغالهم وسوف نشكره على تنويرنا. طالما لم يوفر لنا هذه المعطيات فسيبقى ما كتبه نسيجا من الخيال لا حجية ولا قيمة علمية إضافية له.
ما هو الهدف من نشر أرقام صادمة بدون مصادر في رأيك؟
أنا كباحث أتعامل مع هذه الأرقام بالشك العلمي والمنهجي الذي يقضيه التأكد من صحة ما نتعلمه وننشره. فليس كل ما يكتب حقيقة، خصوصا أن الكاتب لم يدل بأية مصادر يمكننا الرجوع إليها للتأكد ولو من جزء بسيط مما نشره. في علم البروباغندا، قد يُلجأ للأرقام لإضفاء الصدقية على الكلام وإقناع المتلقي بحقيقة غير موجودة. هنا، أدعو الكاتب لنشر مصادره حتى نقرأها بلغتها الأصلية ونتفاعل مع صدقيتها من عدمها. ليس عيبا نشر الأرقام والاحصائيات. هذا كله مهم وضروري، ولكن يجب أن يرجعنا إلى مصادر تساعدنا على تصديقها. أنا أعتقد أنه يجب أن نميز بين القيمة العلمية والقيمة التحريضية لما نشره الصحافي. فالمنشور نجح إلى حد كبير في تحريض من لا يتوفرون على العلم الكافي أو من لديهم قابلية تصديق كل ما يكتب في الوضع الدولي الحالي ضد الأمازيغ والأمازيغية والدليل على ما أقوله هو كمية التعليقات المسيئة التي تجاوبت مع المنشور. أما القيمة المعرفية لما كتب فأشك فيها لعدم إدلائه بالحجج والمصادر. اتهام الأمازيغ بخدمة أجندة خارجية قديم ويرجع إلى ولادة الوطنية المغربية بشكلها القومي عربي والكاتب متح من هذا الرصيد التخويني لشيطنة المكون الأصلي للهوية المغربية المتعددة.
هل إسرائيل تحتاج الأمازيغ لاختراق المغرب؟ في حين أن من وقع اتفاقية التطبيع هو النظام “العربي” بأيادي حزب عروبي إسلامي؟
هذ١ سؤال وجيه وأنا لست مسؤولا في الدولة لكي أجيب عنه، ولكنني كباحث أقول إن تهام جماعات معينة بأنها تخدم أجندة استعمارية ليس جديدا. العلاقات بين المغرب وإسرائيل قديمة وترجع إلى الخمسينات والمراجع متوفرة لمن يريد البحث الجدي في هذا الموضوع. تأسست الحركة الأمازيغية رسميا في المغرب سنة ١٩٦٧ ولكن المغرب تفاوض مع الحكومات الإسرائيلية على هجرة اليهود المغاربة بدءا من سنة ١٩٦٠. المادة التاريخية وفيرة وغنية لمن يريد الاطلاع على طبيعة هذه العلاقات التي لا علاقة للأمازيغ والأمازيغية بها أصلا. لكن الأمازيغية حائط قصير يسهل النط عليه ولو على حساب الأمن الاجتماعي واللغوي والقومي للمغاربة. هناك كراهية دفينة ضد الأمازيغية وهذا الوضع نتيجة للتعليم المعطل للعقل بسبب كثرة الحفظ وانتشار الخرافات بدل التاريخ. ماذا يستطيع شرذمة من الأمازيغ لا مسؤولية حكومية لهم لخدمة مصالح دولة أجنبية قوية؟ الجواب المنطقي: لا شيء. الجواب الخرافي: الأمازيغ متآمرون وحركتهم غير بريئة بالمرة. يجب أن نكون عقلانيين ونحترم عقول الناس ونستند إلى المنطق في تحليل المعطيات ولكي نحلل يجب أن نقرأ كثيرا وبلغات متعددة للوقوف على أوجه الحقيقة. للأسف الشديد قلة القراءة وتصديق كل ما ينشر آفة منتشرة وسوف تزداد مع تأثير الذكاء الاصطناعي وانتشاره ما يحتم تطوير أساليب جديدة للتعليم التاريخ وتمحيص المعطيات.
في الآونة الأخيرة أصبحنا نرى خطابًا يربط بين الأمازيغية والتطبيع مع إسرائيل.. كيف تقرأون هذا الربط؟
أعتقد أن جوابي أعلاه كاف، ولكن السؤال يظل دائما مطروحا: هل اختيارات فرد أو أفراد تنسحب على مجتمع بأكمله؟ كباحث، أعرف أنه لا يوجد إجماع في المغرب حول التطبيع وأعرف أن أغلب المجتمع الأمازيغي لا يسايره ولكن لماذا التركيز على العنصر الأمازيغي في هذه الحملات ؟ لماذا مثلا لا نقول فلان “عربي” طنجاوي مطبع وفلانة “عربية” سلاوية مطبعة وعلان “عربي” فاسي مطبع؟ هذه الانتقائية في توزيع الاتهامات استمرار لسياسة الظهير المسمى بربريا والذي أوصلنا إلى حالة يجب فيها على الأمازيغي أن يقدم ولاءه للعروبة بشكل متجدد في حين أن العرب المشارقة أنفسهم عبروا أكثر من مرة عن حقهم في اختيار علاقاتهم الدولية. هناك اختيارات فردية في كل المجتمعات البشرية ولكن ما نراه بصدد الأمازيغية هو تضخيم الفردي لإلغاء الجماعة الأمازيغية. أتحدث معك هنا كباحث، لا كصاحب رأي وهدفي هو أن أشرح للقارئ أن الاستعلاء الذي عانى منه الأمازيغ منذ الثلاثينات مازال مستمرا من خلال اتهامهم بالتطبيع.
لقد كتب مجموعة من الطلبة الفاسيين الذين كانوا يدرسون في باريس في الثلاثينات كتاب بعنوان Tempête sur le Maroc يتوجهون فيه إلى الحكومة الفرنسية لمنع تطبيق العرف الأمازيغي كمصدر للتشريع ومن جملة ما كتبوه هذه المقطع الذي يؤكد احتقارهم لكل ما هو أمازيغي:
« Ces coutumes, qui varient d’une tribu à l’autre, ont même souvent un caractère monstrueux. C’est ainsi que dans les tribus Zemmour, Béni Mtir, etc., la femme est réduite au rang d’un objet mobilier ; elle ne peut pas hériter ; au contraire, veuve, elle fait partie de l’héritage. Les héritiers ont droit d’en disposer comme d’un objet et de la marier, pour toucher la dot du nouvel époux. »
لقد وصل بهم الأمر إلى أن وصفوا القوانين الأمازيغية في ذلك الوقت بالبدائية “loi extrêmement primitive”. هذا القول الآن سيجر عليك تهم الكراهية في أي بلد ولكن للأسف الشديد هذا الإرث مستمر ولا يعاقب عليه القانون رغم أنه ينز عرقية وتمييزا ضد فئة من الشعب المغربي. هذا الربط بين الأمازيغية والتطبيع فيه تجني على أغلبية الأمازيغ الذين يريدون أن يروا هويتهم مصونة ومحترمة ومصدر فخر لهم ولوطنهم.
هل النقاش حول فلسطين والتطبيع في المغرب أصبح أحيانًا مدخلًا لتصفية حسابات إيديولوجية وهوياتية داخلية؟
القضية الفلسطينية قضية تحرر عادلة ولايوجد عاقل مهما كانت هويته يجادل في ذلك لكنها في المغرب تحولت إلى أداة لتصفية الأمازيغية. هنا تلتقي الإيديولوجية القومية العربية مع التيارات الدينية لنحر الأساس الخالص للهوية المغربية المتعددة على مذبح قضية إنسانية يعترف العالم بأكمله، بما فيه الأمازيغ بكل أطيافهم، بأنها قضية شعب يحق له الاستقلال والسيادة طبقا للشرعية الدولية. السؤل الذي أطرحه على قرائكم: هل حرية الأمازيغي واعتزازه بهويته يقفان حجر عثرة في وجه التحرر أما أن تحرر الأمازيغي من الإقصاء والتهميش جزء لا يتجزأ من التحرر العام المنشود؟ مرة أخرى، أعيد تذكير القراء بأدبيات الماركسية المغربية في السبعينات وربطها بين تحرر شعوب المنطقة، بما فيها الأمازيغ، واستقلال الفلسطينيين. على كل من يتهم الأمازيغ بمعاداة الفلسطينيين أن يتعلم اللغة الأمازيغية ويجول في ربوع البلاد ويستمع لأغانيهم ويقرأ شعرهم ويمتح من نخوة ثقافتهم ليعرف من هم الأمازيغ وماذا تمثل مدينة القدس بالنسبة لهم. لا نستطيع حرث البحر ولا سقي الرمل، ولكن المؤمل أن نفتح كوة في جدار التجهيل المتعمد بخصوص الأمازيغية لينفذ إليه قليل من الوعي المركب بالعالم.

