تقرير/
لم تكن الدعوة الأميركية إلى أن تتولى السلطة السورية الجديدة مهمة مواجهة حزب الله مجرد تصريح منفصل عن سياق التحولات التي تشهدها المنطقة، بل جاءت ضمن تصور أخطر لإعادة توزيع الأدوار بعد سنوات من الصراع في سوريا ولبنان. فالمسألة هنا لا تتعلق فقط بالحزب كقوة لبنانية، بل بالدور الذي يُراد لسوريا أن تلعبه في المرحلة المقبلة، وبمحاولة إعادة تعريف موقع دمشق داخل الصراع الإقليمي.
فمنذ اندلاع الحرب الكونية على سوريا عام 2011، كانت سوريا تمثل الحلقة الجغرافية الأهم في منظومة العلاقة بين إيران وحزب الله وعمود محور المقاومة ومواجهة مشاريع الصهيونية في المنطقة. ولذلك فإن أي محاولة لجعل السلطة السورية الجديدة طرفا في مواجهة الحزب لا يمكن قراءتها كخطوة أمنية محدودة، بل كمحاولة لضرب أحد أهم عناصر الترابط بين ساحات محور المقاومة. فالمعادلة المطروحة تقوم على نقل المواجهة من شكلها التقليدي بين إسرائيل وحزب الله إلى شكل جديد تصبح فيه دمشق نفسها جزءا من الحرب على الحزب.
لكن دخول سوريا على هذا الخط لا يبدو منفصلا عن الدور التركي. فتركيا، التي بات لها نفوذ مباشر على السلطة السورية الجديدة، ترى في هذه المرحلة فرصة لتوسيع حضورها الإقليمي. إلا أن أنقرة لا تتحرك وفق منطق خدمة مشروع أميركي أو إسرائيلي فقط، بل وفق حسابات خاصة بها تقوم على تحويل نفوذها في سوريا إلى نفوذ سياسي واقتصادي في لبنان.
ومن هنا يأتي الحديث عن قبول أردوغان بمفترح ترمب بالهجوم على حزب الله بشرط الحصول على طرابلس باعتبارها نقطة الارتكاز الأساسية في هذا المشروع. فالحصول على موطئ قدم تركي في المدينة، سواء عبر مشاريع اقتصادية كبرى مثل الميناء أو عبر نفوذ سياسي داخل البيئة السنية، لا يعني مجرد حضور اقتصادي، بل يعني بناء قاعدة تأثير طويلة الأمد داخل المعادلة اللبنانية. فالسياسة في لبنان لا تُدار فقط عبر السلاح، بل عبر شبكات النفوذ والطوائف والاقتصاد ومراكز القرار.
لكن جوهر المسألة يبقى حول إمكانية تمرير هذا التحول بهذه السهولة؟ وهل ستسمح إيران بأن تنتقل المعركة ضد حزب الله إلى الداخل اللبناني عبر أدوات سورية مدعومة تركيا وأميركيا وإسرائيليا؟
بالنسبة لطهران، فإن القضية لا ترتبط فقط بمصير حزب الله كتنظيم لبناني، بل بموقع لبنان داخل منظومة الردع الإقليمية التي بنتها خلال عقود. لذلك فإن أي محاولة لعزل الحزب أو تغيير بيئته الاستراتيجية ستُفهم باعتبارها محاولة لضرب محور المقاومة والنفوذ الإيراني نفسه، وليس مجرد إعادة ترتيب داخلية لبنانية. وهذا يجعل أي مشروع من هذا النوع أمام احتمال رد إيراني، سواء عبر الأدوات السياسية أو الأمنية أو عبر إعادة تثبيت الحضور في الساحة اللبنانية.
كما أن إدخال سوريا في مواجهة مع حزب الله يحمل تعقيدات كبيرة. فدمشق، مهما تغيرت طبيعة السلطة فيها، تبقى ساحة تتقاطع فيها مصالح قوى عديدة. وأي قرار بتحويل الحدود السورية–اللبنانية إلى جبهة ضد الحزب يعني عمليا فتح مواجهة إقليمية أوسع، لأن الحزب لن يتعامل معها كخلاف حدودي، بل كجزء من محاولة تطويق استراتيجية تستهدف وجوده ودوره.
في المقابل، فإن الولايات المتحدة ترى في هذا السيناريو، طريقة لتقليل تكلفة المواجهة المباشرة. فبدلا من أن تتحمل إسرائيل وحدها عبء الصراع مع حزب الله، يجري البحث عن إعادة تشكيل بيئة إقليمية تضغط عليه من أكثر من اتجاه. وهنا يصبح الدور السوري والتركي جزءا من محاولة تغيير قواعد اللعبة.
لكن العقدة الأساسية تكمن في التناقض بين المصالح. فواشنطن وتل أبيب قد تريان مصلحة في إضعاف حزب الله، لكن إسرائيل تحديداً قد لا تكون مستعدة لقبول تمدد تركي واسع في لبنان وسوريا. فإخراج النفوذ الإيراني من معادلة ما لا يعني بالضرورة قبول نفوذ تركي بديل، خصوصا أن أنقرة تمتلك مشروعا إقليميا ولا تتحرك دائما ضمن الحسابات الأميركية.
لذلك فإن المشهد لا يبدو مجرد عملية تستهدف حزب الله، بل صراعا على شكل المنطقة بعد سنوات الحرب. فهناك محاولة لإعادة توجيه دور سوريا، ومحاولة تركية لتحويل النفوذ إلى مكاسب سياسية في لبنان، ومحاولة أميركية لإدارة التوازنات، في مقابل تمسك إيراني بالحفاظ على موقعها ومنع إسقاط أحد أهم ركائز نفوذها ومحور المقاومة.
والسؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة ليس فقط، هل ستدخل سوريا وتركيا في مواجهة مع حزب الله؟ بل هل يمكن تغيير المعادلة اللبنانية والإقليمية دون مواجهة مع إيران؟ وهل تسمح طهران بإعادة رسم الخريطة حولها عبر أدوات جديدة، أم أن أي محاولة من هذا النوع ستفتح مرحلة جديدة من الصراع في المنطقة؟
