- إبراهيم الكبلي، الأستاذ الباحث بـ Williams College بالولايات المتحدة الأمريكية
يظهر بين الفينة والأخرى أناس يكدون لتعكير المزاج الأمازيغي بطرح أسئلة وأفكار لا قيمة إضافية لها غير خلق جو من الفوضى وردود الأفعال ترفع أرصدة هؤلاء الأشخاص من مداخيل الإشهار وأعداد المتابعين. أنا لست معنيا بشخص معين، ولكنني معني بالمعرفة المبنية على سلامة الحجة وقوة المنطق والمستندة على آخر ما توصلت إليه العلوم الحديثة في مجالات اشتغالي. لذلك سوف أرد عن مقولتين:
المقولة الأولى تدعي أن الأمازيغ لم يكتبوا تاريخهم بلغتهم. هذه المقولة لا تصدر إلا عن جاهل لا يعلم في الكتابة والتاريخ شيئا. فأغلب الإنتاج العلمي الإنساني يتم شفاهيا وقليل جدا ما يكتب ويدون لسبب بسيط وهو كون التدوين مرتبط بالسلطة، سواء الدينية أو الدنيوية. نعم، يجب على من يصدر عنه هذا القول الذي يسخف نقائش تيفيناغ أن ينظر كيف تدرس النقائش السمرية والبابلية وغيرها في أكبر الجامعات العالمية ليعرف أهمية هذه الكتابة القديمة في فهم الانسان وتطوره. أما بخصوص عدم كتابة الأمازيغ للتاريخ بلغتهم، فهذا يفترض أننا قد اطلعنا على جميع ما دونه الأمازيغ في تاريخهم لنحكم على أننا وصلنا إلى المحصلة النهائية لتراثهم.
الحقيقة أننا لا نعرف إلا النز القليل مما خلفوه لأن سياسة الأرض المحروقة في العصر الوسيط أتت على تراثهم ودمرته. لذلك يجب على المؤرخ النزيه أن يفترض أن الأسفار أُتلفت أو سُرقت أو حُجِبت (وقد تظهر عندما يحين الوقت) وبقيت المنقوشات. الأمر الثاني يتعلق بسياسة الدول الوطنية ما بعد الاستعمار وعلاقتها باختفاء ما كتبه الأمازيغ عن أنفسهم. بطريقة بسيطة: أين الأرشيف الأمازيغي وكيف نصل إليه حتى نستطيع الحكم أنهم لم يكتبوا شيئا؟ المؤرخون القدامى يشيرون إلى الكتابات الأمازيغية التي اطلعوا عليها، ولكنهم لا يعيدون نقلها باللغة الأمازيغية لكي نقرأ الأصل الأمازيغي بعيون اليوم. ثانيا، الأمازيغ شعب حي ومن سيم الحياة أن نستطيع إعادة كتابة التاريخ من حاضرنا وبطريقة تجيب عن الأسئلة التي تهمنا في حاضرنا. الخطأ الخطير الذي يرتكبه التيار الذي يلجأ إلى هذه المقولات هو أنه يشارك في استعمال الماضي لإماتة الحاضر الأمازيغي الحي.
المقولة الثانية تتعلق بالجدل حول تيفيناغ—الحرف الأمازيغي—سواء الطاريقي أو المطور من طرق المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. الحقيقة التي لا جدال فيها هي أن جميع الحروف التي تُكتب بها اللغات مُستحدثة(invented) كأوعية لنقل اللغة من الشفاهية إلى الكتابة. بعض اللغات تم تنميط حروفها منذ قرون وبعضها أو أغلبها بعد الاستعمار في القرن التاسع عشر ولكن عملية التنميط مستمرة دائما لذلك يتم تحيين الإملاء والمعاجم بشكل دوري.
لننظر إلى التركية والعديد من دول الاتحاد السوفياتي السابق التي انتقلت من كتابة لغاتها بالحرف العربي إلى اللاتيني أو السيريلي (الحرف الروسي). ما نراه هنا هو دور الدول والإرادة السياسية لخلق حرف لتدوين لغة اعتبرت وطنية ووجب الحفاظ عليها. الأمازيغية ليست لها دولة وطنية خاصة بها لكي تتبناها كلغتها. لذلك فطريقة كتابتها هي نتيجة توافق سياسي أفضى إلى كتابتها بحرف تيفيناغ المعدل لا أقل ولا أكثر. أما كل الاستيهامات التي تحاول التنقيص من قيمة الحرف فهي لغط ينطلق من مسلمات خاطئة لا تفهم التواضع اللسني ولا في إحياء اللغات الأصلانية المهددة بسبب افتقاد أصحابها للسلطة السياسة والثقافية على لغاتهم. فالأمازيغية ليست استثناء لأنها تنتمي إلى أسرة كبيرة من اللغات الأصلانية تضررت من السياسات الإقصائية في بلدانها الأصلية. فالنقاش حول الأمازيغية حسم دستوريا، ولكن إثارته بشكل دائم فيهدف إلى هدم القيمة المعنوية للغة بالتشكيك في قدم حرفها قدم الأمة الأمازيغية في أرض تامازغا.
أما قضية تعدد الألسن الأمازيغية فهذا حق عادة ما يُراد به باطل لأن الأصل في اللغات التعدد. توحيد اللغات الوطنية مرتبط بنشأة الدولة الوطنية وليس له أية علاقة باللغات نفسها. فكل اللغات متعددة لأنها تنمو وتستجيب لحاجيات مستعمليها التي تتغير باستمرار. فلولا الدول الوطنية، التي قتلت الكثير من اللغات في سبيل التوحيد، لرأينا عشرات اللغات تتعايش مع بعضها البعض في أوروبا نفسها. فتعدد الألسن الأمازيغية أمر صحي يبين مدى حيوية اللغة وقدرتها على تبليغ حاجيات مستعلميها التواصلية والعقلية والشعورية في مختلف الأماكن والمجتمعات التي يعيش فيها الأمازيغ.
في الختام، فالإنسان يتطور والحروف تُبتكر والعقليات تَنفتح لتُساير زمنها، ولكن الأيديولوجيات تبقى سجونا لأصحابها.
