- تحقيق صحفي
كل صباح، وقبل شروق الشمس أحيانا، تتجه آلاف النساء والرجال نحو المناطق الصناعية بطنجة. يدخلون المصانع الضخمة التي تنتج مكونات السيارات الموجهة إلى الأسواق الأوروبية والعالمية، ويقفون لساعات طويلة أمام خطوط الإنتاج في أعمال متكررة ودقيقة تتطلب تركيزا عاليا ومجهودا بدنيا مستمرا. وفي نهاية الشهر، يتقاضى أغلبهم أجورا تتراوح بين 3000 و4000 درهم، بالكاد تكفي لتغطية أساسيات العيش.
ورغم أن قطاع الكابلاج يقدم باعتباره أحد قصص النجاح الصناعي في المغرب، فإن الواقع الذي يعيشه جزء كبير من العمال يكشف وجها آخر أقل بريقا؛ بأجور ضعيفة، وضغط إنتاج متواصل، وارتفاع غير مسبوق في تكاليف المعيشة، مقابل غياب سياسات اجتماعية قادرة على حماية الطبقة العاملة من التدهور المتواصل لقدرتها الشرائية.
مصانع عالمية وأجور محلية متدنية
تحقق شركات صناعة مكونات السيارات أرقام معاملات بملايين، بل مليارات الدراهم سنويا، مستفيدة من موقع المغرب الجغرافي وقربه من الأسواق الأوروبية، ومن الحوافز الضريبية والعقارية التي تقدمها الدولة لجذب المستثمرين.
لكن السؤال الذي يطرحه العمال هو: أين نصيبهم من هذه الثروة؟
ففي الوقت الذي تتوسع فيه المصانع وتزداد طلبياتها وتعلن باستمرار عن حاجتها لمزيد من اليد العاملة، لا تزال أجور آلاف العمال تدور حول الحد الأدنى تقريبا، بينما ترتفع أسعار الكراء والمواد الغذائية والنقل والخدمات الأساسية بوتيرة أسرع بكثير من نمو الأجور.
أحد العمال السابقين يلخص الوضع قائلا: “ننتج أجزاء سيارات تباع بمئات الآلاف من الدراهم، لكننا نعجز أحيانا عن تأمين مصاريف أسبوع واحد من الحياة الكريمة.”
أجساد تدفع الثمن
وراء الأرقام الرسمية المتعلقة بالصادرات والاستثمارات، توجد قصص يومية من الإرهاق الجسدي والنفسي.
ساعات طويلة من الوقوف، وحركات متكررة قد تؤدي إلى آلام مزمنة في الظهر والمفاصل والرقبة، وضغط مستمر لتحقيق أهداف الإنتاج، ونظام مناوبات يربك الحياة الأسرية ويؤثر على الصحة الجسدية والنفسية.
وتؤكد شهادات متطابقة أن كثيرا من العمال لا يغادرون المصانع بسبب الكسل أو عدم الرغبة في العمل، بل لأنهم يشعرون بأن أجسادهم لم تعد قادرة على تحمل وتيرة العمل المفروضة عليهم مقابل أجور لا تعكس حجم التضحيات المطلوبة منهم.
مدينة تزداد غلاءً.. وأجور متوقفة في الزمن
عرفت طنجة خلال السنوات الأخيرة تحولات اقتصادية وعمرانية كبيرة، لكن هذه التحولات رافقها ارتفاع ملحوظ في تكلفة المعيشة.
فالحصول على سكن لائق أصبح يستنزف جزءا مهما من دخل العامل. كما ارتفعت تكاليف النقل والمواد الأساسية بشكل جعل الكثير من الأسر العاملة تعيش تحت ضغط مالي دائم.
وفي المقابل، لم تشهد الأجور تطورا مماثلا يسمح للعمال بالحفاظ على قدرتهم الشرائية. والنتيجة أن آلاف العاملين يجدون أنفسهم عالقين بين وظيفة شاقة ودخل لا يوفر الاستقرار.
عندما تصبح الاستقالة شكلا من أشكال الاحتجاج
اللافت أن موجة المغادرة التي تشهدها شركات الكابلاج ليست مجرد حركة عادية في سوق الشغل، بل يمكن قراءتها باعتبارها رسالة واضحة من العمال.
فالاستقالة الجماعية الصامتة التي تعرفها بعض الوحدات الصناعية تعكس حالة من عدم الرضا عن الأوضاع المهنية والاجتماعية. كثيرون لم يعودوا مقتنعين بجدوى الاستمرار في وظائف تستهلك طاقتهم وصحتهم دون أن تمنحهم أفقا اجتماعيا أفضل.
ولهذا تضطر الشركات إلى إطلاق حملات توظيف متكررة لتعويض المغادرين، في مؤشر على وجود خلل هيكلي يتجاوز مسألة توفير مناصب الشغل.
الدولة بين تشجيع الاستثمار وحماية العمال
منذ سنوات، راهنت الدولة على استقطاب الشركات متعددة الجنسيات من خلال توفير مناخ استثماري تنافسي، وهو خيار ساهم بالفعل في خلق آلاف الوظائف.
غير أن أصواتا نقابية وحقوقية متزايدة ترى أن السياسات العمومية ركزت بشكل أكبر على جذب المستثمرين أكثر من تركيزها على ضمان شروط عمل تحفظ كرامة العمال.
ويعتبر نقابيون أن الاكتفاء بخلق فرص الشغل لم يعد كافيا، ما دامت نسبة مهمة من هذه الوظائف لا تضمن مستوى معيشيا يتناسب مع الارتفاع المستمر في الأسعار.
كما يطالب هؤلاء بتشديد مراقبة ظروف العمل، وتعزيز آليات التفاوض الجماعي، وربط الامتيازات الممنوحة للمستثمرين بتحسين أوضاع العمال ورفع الأجور واحترام الحقوق الاجتماعية والمهنية.
أرباح معولمة ومعاناة محلية
تكشف تجربة عمال الكابلاج بطنجة مفارقة لافتة؛ فبينما تندمج المصانع في سلاسل إنتاج عالمية وتستفيد من العولمة الاقتصادية، يظل جزء كبير من العمال محاصرين بأجور محدودة لا تسمح لهم بالاستفادة من الثروة التي يساهمون في إنتاجها.
وفي الوقت الذي تتباهى فيه التقارير الرسمية بنمو الصادرات الصناعية، يطرح العمال سؤالا بسيطا لكنه جوهري؛ فما قيمة النمو الاقتصادي إذا كان من يصنعونه يوميا لا يشعرون بثماره في حياتهم؟
إن ظاهرة مغادرة العمال لشركات الكابلاج بطنجة ليست مجرد مشكلة توظيف عابرة، بل مؤشر اجتماعي على وجود فجوة متزايدة بين متطلبات الحياة اليومية ومستوى الأجور المعروض.
فحين تصبح الاستقالة خيارا جماعيا، وحين تعجز آلاف الأسر العاملة عن تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار رغم العمل لساعات طويلة، فإن الأمر يتجاوز قرارات فردية معزولة ليطرح أسئلة عميقة حول نموذج التنمية ذاته، وحول مدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق التوازن بين جذب الاستثمارات وحماية من يصنعون هذه الثروة بأيديهم.
ويبقى التحدي الحقيقي ليس في خلق وظائف جديدة فقط، بل في ضمان أن تكون تلك الوظائف مصدرا للكرامة والعيش اللائق، لا مجرد أرقام تضاف إلى إحصائيات التشغيل.
