- عماد العتابي
لم يعد اعتقال علي لمرابط مجرد قضية صحفي أمام القضاء، بل أصبح عنوانا لمرحلة جديدة من تعامل السلطة مع كل من يجرؤ على رفع صوته خارج السرب. إنها صورة أخرى لواقع بات فيه الصحفي المستقل، لا الفاسد ولا المجرم، هو من يجد نفسه في مواجهة آلة الدولة.
علي لمرابط يعرف جيدا ثمن الكلمة. لم يكن يوما صحفي المناسبات، ولا كاتب البيانات الجاهزة ولا صاحب القلم الذي يبحث عن رضا أصحاب السلطة والنفوذ. اختار أن يكون مزعجا وأن يفتح الملفات التي يفضل البعض أن تبقى مغلقة، وأن يقول ما يعتقد أنه حقيقة حتى عندما يكون الثمن غاليا.
لكن ما نشهده اليوم يتجاوز شخص علي لمرابط. نحن أمام نمط كامل في التعامل مع الصحافة الحرة والمعارضة السياسية. فكل صوت مستقل أصبح يُنظر إليه بعين الريبة، وكل صحفي يرفض الانحناء يصبح هدفا لحملات التشهير أو الاعتقال والمتابعة.
لقد وصل التغول على الصحفيين والمعارضين في المغرب إلى مستوى خطير. فبدل أن تكون الصحافة سلطة رقابية تساهم في تصحيح الأخطاء، يجري التعامل معها كعدو يجب إخضاعه.
والسؤال الذي يفرض نفسه؛ لماذا تشعر السلطة بهذه الثقة الكبيرة في مواجهة الأصوات المعارضة؟
الجواب، في تقديري، لا ينفصل عن التحولات الإقليمية والدولية التي يعيشها المغرب. فالدعم السياسي الذي يحظى به المخزن من “حلفائه”. خصوصًا الولايات المتحدة و”إسرائيل”، منح السلطة هامشا أوسع للتحرك وأشعرها بأنها قادرة على مواجهة الانتقادات الداخلية وحتى الخارجية (أوروبا) بأقل تكلفة سياسية.
لكن أي حماية خارجية، مهما بلغت قوتها، لا يمكن أن تلغي حقيقة أساسية في كون احترام حقوق الإنسان لا يُقاس بما تقوله الحكومات في المحافل الدولية، بل بما تفعله عندما يختلف معها مواطن أو صحفي أو معارض.
لا يمكن أن تكون العلاقات الاستراتيجية مع القوى الكبرى رخصة مفتوحة للتضييق على الحريات والتغول على الشعب المغربي. ولا يمكن أن تتحول المصالح السياسية إلى غطاء لتجاهل الالتزامات التي وقعت عليها الدول أمام العالم.
في هذه القضية، لا يتعلق الأمر فقط بمصير صحفي اسمه علي لمرابط، بل بمصير فكرة كاملة، فهل تستطيع السلطة أن تعيش مع صوت لا يطلب الإذن قبل أن يتكلم؟
قد تُغلق الأبواب، وقد تُمدد الإجراءات، وقد تُحاصر الكلمات خلف الجدران، لكن السلطة التي تدخل في معركة مع الصحافة تخوض معركة خاسرة بطبيعتها. فالقلم لا يملك أجهزة ولا ميزانيات، لكنه يملك ما تخشاه كل سلطة، القدرة على طرح السؤال في اللحظة التي تريد فيها السلطة أن تفرض الصمت.
قد تنجح القوة في إسكات شخص، لكنها لا تنجح أبدا في إسكات المعنى الذي يحمله. فكل صحفي يُحاصر يترك وراءه سؤالا، وكل صوت يُمنع يخلق صدى أكبر، وكل باب يُغلق في وجه الحقيقة يفتح أبوابا أخرى في ذاكرة الناس.
والتاريخ لا يرحم من اعتقدوا أن السيطرة على الحاضر تعني امتلاك المستقبل. فكم من أقلام حاولوا كسرها، بقيت هي الشاهد، وكم من أصوات حاولوا دفنها، أصبحت هي الرواية التي بقيت.
لهذا فإن قضية علي لمرابط ليست معركة بين رجل وسلطة؛ إنها اختبار لمعنى القوة نفسها. هل القوة أن تجعل الجميع يصمتون؟ أم أن القوة الحقيقية هي أن تسمع من يختلف معك ولا تخشى أن يضع المرآة أمامك؟
