تقرير /
«صوّر، صوّر».. لم تكن العبارة التي خرجت من فم ذلك الفلاح المغربي لحظة اقتياده إلى السجن مجرد انفعال عابر أمام الكاميرا. كانت صرخة رجل يريد أن يترك شاهدا على ما يحدث له، وكأن الأرض التي عاش فيها واشتغل فوقها لم تعد قادرة وحدها على الدفاع عنه. في تلك اللحظة، لم يكن الفلاح يطلب أكثر من أن تُرى قصته؛ رجل من أبناء الأرض يجد نفسه في مواجهة السلطة، بينما تُقتلع الأشجار من أرضه ويُقتاد هو وابنه إلى الحبس.
لكن خلف صورة ذلك الفلاح توجد قضية أكبر بكثير من شخصه، وأعمق بكثير من نزاع حول أشجار أو قطعة أرض. إنها قضية من يملك القرار في الأرض المغربية، ومن يملك حق الانتفاع بمائها، ومن يحدد ما الذي يُزرع فوقها ولمن تذهب عائداته.
وهنا يصبح من المستحيل تجاهل المفارقة التي تفرض نفسها على النقاش المغربي اليوم. ففي الوقت الذي يجد فيه فلاح مغربي نفسه في مواجهة الاعتقال واقتلاع أشجاره التي غرسها بعشق، كانت شركة Mehadrin الإسرائيلية قد أعلنت عن دخولها إلى مجال زراعة الأفوكادو في المغرب، عبر مشروع على مساحة تقارب 455 هكتارا، وبحصة معلنة تبلغ 51% في الشركة المشتركة، مع استثمار يفوق 80 مليون درهم وإنتاج مستهدف يصل إلى 10 آلاف طن سنوياً، يوجَّه الجزء الأكبر منه إلى الأسواق الأوروبية.
ليست المشكلة هنا أن مستثمرا “إسرائيليا” دخل المغرب فحسب. المشكلة الأعمق هي الماء. فالرئيس التنفيذي لـMehadrin قال بوضوح إن تكلفة الماء في المغرب منخفضة جدا مقارنة بـ “إسـ.رائيل”، وإن الماء واليد العاملة يمثلان من أكبر تكاليف الإنتاج. وبعبارة أخرى، ما يشكل بالنسبة إلى الشركة ميزة اقتصادية وتنافسية، يشكل بالنسبة إلى المغاربة موردا طبيعيا محدودا يعيش تحت ضغط الجفاف والاستنزاف.
وهذه ليست ملاحظة هامشية يمكن تجاوزها. فالتقديرات المنشورة حول مشروع Mehadrin تشير إلى أن زراعة 455 هكتارا من الأفوكادو يمكن أن تتطلب ما بين 2.5 و4 ملايين متر مكعب من الماء سنويا، اعتمادا على تقديرات وزارة الفلاحة المغربية لاستهلاك الهكتار الواحد من الأفوكادو بالري بالتنقيط.
هنا تحديدا تظهر المفارقة التي تستحق أن تُطرح بصوت مرتفع؛ كيف يمكن أن يكون الماء نادرا على الفلاح المغربي، ورخيصا وجاذبا للاستثمار الإسرائيلي في الوقت نفسه؟
كيف يصبح المغربي مطالبا بالتكيف مع الجفاف وترشيد استهلاك الماء، بينما تتحول ندرة الماء نفسها إلى عامل جذب لرأس المال الذي يبحث عن أقل تكلفة للإنتاج؟ وكيف يمكن أن نتحدث عن الأمن المائي باعتباره قضية وطنية مصيرية، ثم نسمح في الوقت نفسه بتوسيع زراعات موجهة للتصدير تحتاج إلى كميات كبيرة من هذا المورد النادر؟
هذه ليست أسئلة ضد الفلاحة، ولا ضد الاستثمار من حيث المبدأ. إنها أسئلة عن منطق الأولويات. ففي بلد يعاني من ضغط مائي شديد، لا يمكن أن يكون السؤال الوحيد كم سيجلب المشروع من العملة الصعبة؟ بل يجب أن يكون السؤال أيضا كم سيستهلك من الماء؟ ومن أين سيأتي هذا الماء؟ وماذا سيبقى للسكان والفلاحين بعده؟
لأن الماء لا يظهر في صناديق الأفوكادو التي تغادر الموانئ. عندما تُصدَّر الفاكهة، لا يرى المستهلك الأوروبي الآبار التي سُقيت منها، ولا الفرشة المائية التي تحملت كلفة الإنتاج، ولا الفلاح الذي قد يجد نفسه بعد سنوات أمام أرض أقل قدرة على العطاء.
وهذه المفارقة تأتي في وقت يعاني فيه الفلاح المغربي الصغير أصلا من هشاشة متزايدة. فهو يواجه كلفة الإنتاج وتقلبات السوق والجفاف، وصعوبة الوصول إلى الموارد، ثم يجد نفسه في بعض الحالات أمام نزاعات تنتهي إلى فقدان الأرض أو الأشجار أو الحرية.
من هنا تأخذ عبارة «صوّر، صوّر» معناها السياسي. فالرجل لم يكن يصوّر نفسه فقط؛ كان من حيث يدري أو لا يدري، يصور اختلالا أوسع في العلاقة بين المواطن والأرض والسلطة والاستثمار. يصور لحظة يصبح فيها الفلاح المغربي وهو الحلقة الأضعف، مطالبا بأن يثبت حقه، بينما يستطيع رأس المال المنظم أن يدخل عبر الشركات والعقود والاستثمارات والمشاريع.
والأمر لا يتعلق فقط بـ “إسـ.رائيل”. لكن إسرائيل هنا ليست تفصيلا يمكن تجاهله، لأن هناك بالفعل استثمارات إسرائيلية ضخمة ومعلنة في زراعة الأفوكادو المغربية، ولأن مسؤولي الشركة أنفسهم تحدثوا عن انخفاض تكلفة الماء في المغرب باعتباره عاملا مهما في القدرة على المنافسة.
ولهذا فإن السؤال المشروع الذي يجب طرحه، لماذا أصبح الماء المغربي ميزة تنافسية لشركة إسرائيلية بينما يعاني المغاربة أنفسهم من أزمة مائية؟
وهنا تصبح القضية قضية أمن قومي مائي، لا مجرد خلاف حول محصول زراعي. فالماء الذي يُستعمل اليوم لإنتاج محصول موجه إلى الخارج لن يعود غدا إلى الفرشة المائية. والبئر الذي ينخفض منسوبه لا يعرف جنسية الشركة التي استنزفته. والجفاف لا يفرق بين مستثمر أجنبي وفلاح مغربي.
لكن هناك فرقا واحدا، المستثمر يستطيع أن يحسب تكلفة الماء ضمن حسابات الربح والخسارة، أما الفلاح الذي تنضب بئره فلا يستطيع أن يضع مستقبل أسرته في خانة «الخسائر التشغيلية».
لأن أخطر ما في هذه القصة هو أن يتحول الماء المغربي إلى ميزة استثمارية بسبب رخصه، في الوقت الذي يتحول فيه إلى أزمة اجتماعية بسبب ندرته. عندها لا يعود السؤال عن عدد الهكتارات المزروعة، بل عن نوع النموذج الذي نريد أن نبنيه. نموذج يجعل من الأرض والماء رصيدا وطنيا يخدم المجتمع، أم نموذجا تتحول فيه الموارد الطبيعية إلى عوامل جذب لرأس المال، بينما تتحمل الأجيال المقبلة كلفة الاستنزاف؟
وإذا كان من حق الدولة تنظيم الزراعة وحماية الموارد المائية، فمن حق المغاربة أيضا أن يطلبوا وضوحا كاملا في هذه السياسة. فمن يحصل على الماء؟ وبأي شروط؟ وما حجم الاستهلاك؟ وما هي الرقابة؟ وما الذي يعود على السكان المحليين؟ ولماذا يُعامل الفلاح الذي يعيش فوق الأرض وكأنه الطرف الأضعف فيها؟
لا يمكن أن تكون هناك سيادة غذائية من دون سيادة على الماء، ولا يمكن أن تكون هناك سيادة على الماء إذا كان المواطن لا يعرف من يستهلكه وبأي شروط. والاستثمار الأجنبي لا يصبح مشكلة لأنه أجنبي، وإنما يصبح مشكلة عندما تكون شروطه أكثر قوة من قدرة المجتمع على حماية موارده.
لذلك، فإن صورة الفلاح وهو يُقتاد من أرضه يجب ألا تُفصل عن صورة المستثمر الذي يجد في المغرب أرضا وماء وتكلفة إنتاج تنافسية. الصورتان، مهما اختلفت تفاصيلهما، تضعاننا أمام السؤال نفسه؛ من يملك القرار في المغرب عندما يتعلق الأمر بأغلى ما يملك المغرب؟
الأرض ليست مجرد عقار، والماء ليس مجرد مدخل للإنتاج، والفلاح ليس رقما في ملف إداري. هذه كلها عناصر من السيادة نفسها.
ولهذا فإن عبارة «صوّر، صوّر» ينبغي ألا تبقى مجرد مقطع متداول على مواقع التواصل. ينبغي أن تكون دعوة إلى النظر في الصورة كاملة. صورة فلاح يُقتاد وأشجار تُقتلع واستثمارات أجنبية تتمدد، ومحاصيل تُصدّر، وماء يزداد ندرة.
فإذا كان المستثمر الإسرائيلي يرى في رخص الماء المغربي فرصة لخفض تكلفة إنتاجه، فمن حق المغربي أن يسأل، ومن سيدفع ثمن هذه الفرصة عندما يصبح الماء أغلى من أن يبقى؟
