الفنيدق – تقرير
ما يحدث في سبتة خلال الأسبوعين الأخيرين يستحق أن يُقرأ بعيدا عن التفسير السهل الذي يختزل كل شيء في “موجة هجرة” عابرة. فالمشهد الذي عرفته المدينة قبل أسبوعين يوم الهروب الكبير، ثم المشهد الذي عرفته اليوم، مختلفان في الشكل إلى درجة لافتة، لكنهما قد يكونان في جوهرهما، جزءا من سيناريو واحد جرى إخراجه على مرحلتين، وبأدوات مختلفة، لتحقيق أهداف سياسية وأمنية محسوبة.
في العبور والهروب الكبير الذي شهدته سبتة، كان المشهد استثنائيا بكل المقاييس. حيث عشرات الآلاف من الأشخاص تحركوا في اتجاه المدينة وكان المغاربة، خصوصا الشباب والقاصرين، يشكلون الغالبية الساحقة من الحشود، بينما كان حضور المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء محدودا بشكل لافت وربما منعدم. والأهم من ذلك أن السلطات المغربية لم تتدخل منذ البداية لمنع هذا التدفق الكبير، بل تركت الحشود تتحرك، وتركت الضغط يتراكم وتركت المشاهد تصل إلى الجانب الإسباني بكل ما حملته من صدمة وارتباك.
ولم يبدأ التدخل الأمني المكثف إلا في ساعات الليل، عندما كان المشهد قد بلغ ذروته، وكانت الرسالة قد وصلت إلى مدريد وأوروبا وتحققت الغاية السياسية المترجاة من العملية.
وهنا تحديدا يصعب التعامل مع ما حدث باعتباره مجرد عجز أمني مفاجئ، فحين يصل عدد المشاركين إلى عشرات الآلاف، وتتحرك هذه الأعداد في اتجاه منطقة حدودية شديدة الحساسية، يصبح من الصعب تصور أن الأجهزة الأمنية لم تكن على علم بما يجري أو أنها فقدت السيطرة بالكامل. لذلك فإن الفرضية التي تستحق البحث هي أن الضغط نفسه كان جزءا من الرسالة، وأن التدخل جاء عندما تحققت الغاية السياسية والأمنية من ترك هذا الضغط يبلغ مداه.
لكن ما حدث اليوم مختلف تماما. فقد عاد المهاجرون من إفريقيا جنوب الصحراء إلى واجهة المشهد وبأعداد كبيرة، خلافا لما حدث قبل أسبوعين. غير أن السلطات المغربية هذه المرة لم تنتظر وصول الحشود إلى السياج، ولم تسمح لها بالاقتراب من باب سبتة، بل كان الانتشار الأمني كثيفا منذ البداية، وكانت عملية التطويق والمنع واضحة على الأرض. بمعنى آخر، العبور الأخير كان عنوان المشهد هو السماح للضغط بأن يرتفع، واليوم كان العنوان هو التحكم في الضغط ومنع وصوله إلى الحدود.
وهنا تكمن أهمية المقارنة بين الحدثين. إذا كان المشهدان مجرد موجتين عفويتين منفصلتين، فإن هذا الاختلاف في تركيبة الحشود وفي طريقة التعامل معها يحتاج إلى تفسير. أما إذا وضعناهما في سياق واحد، فإن فرضية أخرى تظهر؛ نحن أمام سيناريو مغربي متحكم فيه، تغيرت أدواته بحسب الرسالة المراد إيصالها في كل مرحلة.
في دينامية العبور والهروب الكبير، كان المطلوب إظهار حجم الانفجار الممكن على الحدود مع الإصرار على إحراج حكومة شانشيز وحشرها في الزاوية. حيث عشرات الآلاف من المغاربة يتحركون في اتجاه سبتة، والسلطات لا تتدخل بالسرعة التي كان ينتظرها الجانب الإسباني، قبل أن يأتي التدخل الأمني في وقت لاحق. أما اليوم، فالصورة معكوسة تماما. وجود كثيف للمهاجرين الأفارقة لكن يقابله انتشار أمني مغربي أكبر، ومنع صارم من الوصول إلى محيط سبتة وسياجها.
وهذا يقود إلى سؤال أكبر يتعلق بالرسالة الموجهة إلى الاتحاد الأوروبي. فالمغرب لا يحرس حدوده فقط؛ موقعه الجغرافي جعله عمليًا أحد أهم الحواجز أمام الهجرة غير النظامية باتجاه أوروبا. وكلما ارتفع منسوب الضغط على سبتة ومليلية والسواحل المغربية، ازدادت أهمية الدور الذي تؤديه الرباط في حماية البوابة الجنوبية للاتحاد الأوروبي.
ومن هنا يمكن فهم ما قد يكون وراء التحرك المغربي اليوم، وهو إعادة التفاوض على ثمن هذا الدور.
فالظروف تغيرت وكلفة ضبط الحدود ارتفعت، والضغط البشري لم يعد مجرد ملف أمني بسيط. وإذا كانت أوروبا تريد من المغرب أن يستمر في أداء دور الدركي والحارس المتقدم لحدودها، فإن الرسالة قد تكون أن هذه المهمة لم تعد قابلة للاستمرار بالشروط القديمة.
لكن اللافت في مشهد اليوم هو عودة المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء إلى الواجهة بعد أن غابوا تقريبا عن محاولة السبت الماضي. وهنا السؤال الذي لا يمكن تجاهله؛ أين كان هؤلاء المهاجرون خلال العبور الكبير؟ ولماذا ظهروا اليوم بأعداد كبيرة؟
إذا كانت السلطات المغربية قد قامت قبل يومين من الهروب الكبير إلى سبتة بحملة واسعة في محيط بليونش والمناطق القريبة من سبتة، واستهدفت تجمعات المهاجرين الأفارقة وأبعدت أعدادا كبيرة منهم إلى مدن جنوب المغرب، فإن عودتهم بهذه السرعة إلى المشهد تطرح أكثر من علامة استفهام. ومن الناحية التحليلية، فإن تغيير تركيبة الحشود بين الحدثين، بالتزامن مع تغير طريقة تعامل السلطات معها، يجعل فرضية التحكم في المشهد جديرة بالبحث.
ففي الهروب الكبير لم يكن المشهد إفريقيًا بالأساس، بل مغربيا بامتياز، واليوم أصبح المشهد إفريقيا (مهاجرون من جنوب الصحراء) في غالبيته. في العبور الأخير تُركت الحشود تتقدم وتعبر إلى سبتة بسهولة قبل أن يبدأ التدخل الأمني الكبير، واليوم جرى تطويقها ومنعها من الاقتراب أصلا. ةهذا ليس اختلافا بسيطا في التكتيك، قد يكون اختلافا في الرسالة السياسية نفسها.
الرسالة الأولى تقول أن المغرب يستطيع إذا ارتفع منسوب الضغط، أن يجعل سبتة (إسبانيا) أمام أزمة لا تستطيع إسبانيا تحملها وحدها. والرسالة الثانية، أن المغرب يستطيع أيضا أن يمنع هذا الضغط عندما يريد، لكنه يحتاج إلى موارد أمنية وبشرية ولوجستية ضخمة للقيام بذلك. وفي الحالتين تبقى الورقة نفسها في يد الرباط وهي الهجرة.
المغرب يريد أن يقول لأوروبا بصورة غير مباشرة، نحن نواجه هذه الحشود على أرضنا، ونمنعها من الوصول إلى أراضيكم، ونحشد آلاف العناصر والإمكانات للقيام بهذه المهمة. وإذا كانت أوروبا تريد استمرار هذا الدور، فعليها أن تدفع ثمنه.
وهذا قد يكون جوهر الرسالة من دينامية اليوم.
لكن الأخطر هو أن هذه اللعبة، ليست بلا مخاطر. لأن اللعب بمستوى الضغط البشري على الحدود قد ينتج ديناميات يصعب التحكم فيها، خصوصا عندما يتعلق الأمر بعشرات الآلاف من الأشخاص، وبمدينة مثل سبتة، وبحدود تمثل نقطة حساسة في العلاقة بين المغرب وإسبانيا والاتحاد الأوروبي.
كما أن الأزمة لا تضغط على مدريد فقط، بل تدخل مباشرة في الصراع السياسي الداخلي الإسباني. فكل موجة كبيرة نحو سبتة تمنح اليمين الإسباني مادة سياسية جاهزة لمهاجمة حكومة بيدرو سانشيز واتهامها بالعجز عن حماية الحدود وهذه إحدى غايات العبور الكبير قبل أيام، وفي المقابل، كل نجاح مغربي في منع موجة كبيرة يمكن أن يعزز حاجة مدريد إلى التعاون مع الرباط.
ولهذا، ليس من الصواب قراءة الحدثين باعتبارهما حادثتين منفصلتين. العبور الكبير السبت الماضي، والاستنفار الأمني الكبير اليوم، هما وجهان لعملية واحدة، في الأولى رُفع الضغط إلى أقصى حد، وفي الثانية جرى خفضه وإظهار القدرة على السيطرة عليه.
وإذا صح هذا التحليل، فإن السؤال الذي يجب طرحه هو هل كانت السلطات المغربية هي التي تتحكم في إيقاع الأزمة أصلا؟ وهل كان السماح بعشرات الآلاف بالتحرك قبل أسبوعين جزءا من رسالة سياسية، ثم جاء التدخل الأمني بعد بلوغ الرسالة مداها؟ وهل كان ظهور المهاجرين الأفارقة اليوم، بالتزامن مع انتشار أمني مغربي غير مسبوق لمنعهم من الاقتراب من السياج، جزءا من مرحلة ثانية من الرسالة نفسها؟
لا نملك حتى الآن ما يكفي لإعلان هذه الفرضية حقيقة مسلّمة. لكن من يقرأ التسلسل الزمني للأحداث، ويقارن بين تركيبة الحشود، ومستوى التدخل الأمني وتوقيت كل موجة، لا يستطيع أيضا أن يتعامل معها ببساطة على أنها مجرد مصادفات متتالية.
