تقرير/
حرائق في قلب سلة خبز المغرب
ما الذي يحدث بالضبط في المغرب؟ وكيف يمكن تفسير اندلاع حرائق متزامنة في عدد من المناطق الفلاحية الحساسة في توقيت بالغ الدقة، قبل موسم الحصاد مباشرة وقبيل عيد الأضحى، حين يكون اهتمام المواطنين موجهاً نحو ترتيبات العيد أكثر من أي شيء آخر؟
هذه الأسئلة لم تعد مجرد هواجس يتداولها الفلاحون، بل تحولت إلى موضوع نقاش واسع بعدما أتت الحرائق على مساحات من حقول الحبوب في مناطق تعد من أهم خزانات الإنتاج الزراعي بالمغرب، وعلى رأسها منطقة الشاوية التي ظلت لعقود توصف بأنها سلة خبز المغرب ومخزونه الاستراتيجي من الحبوب.
اللافت في الأمر أن هذه الحرائق جاءت في ظرفية حساسة، حيث كان الفلاحون يستعدون لجني محصول انتظروه طويلا بعد سنوات صعبة من الجفاف والتقلبات المناخية. لكن بدلا من أن يتحول الموسم إلى فرصة لتعزيز الإنتاج الوطني وتقليص التبعية للخارج، وجد كثيرون أنفسهم أمام مشاهد النيران تلتهم ما زرعوه طوال أشهر.
أزمة آلات الحصاد.. صدفة أم اختلال مقصود؟
يزداد الجدل عندما يتحدث فلاحون عن خصاص في آلات الحصاد رغم أن المغرب يتوفر على عدد كبير منها. فكيف يمكن أن تعاني مناطق زراعية واسعة من نقص في هذه المعدات خلال أهم مرحلة من الموسم الفلاحي؟
وبالنسبة للفلاحين، فإن تأخر الحصاد يعني بقاء المحاصيل معرضة لفترات أطول للحرائق والخسائر المختلفة. ولذلك يطرح البعض فرضية وجود لوبي يستفيد من تعطيل عمليات الحصاد في الوقت المناسب، خصوصا عندما تكون النتيجة النهائية هي تقليص حجم الإنتاج المحلي وإضعاف مردودية الموسم الفلاحي.
مفارقة الحقول المحترقة والسفن المحملة بالقمح
في الوقت الذي تتحدث فيه التقارير عن خسائر تطال كثير حقول الحبوب، تستمر واردات القمح في التدفق عبر الموانئ المغربية بكميات ضخمة.
هذه المفارقة تطرح سؤالا جوهريا، لماذا لا يحظى الإنتاج المحلي بالحماية الكافية قبل اللجوء إلى الأسواق الخارجية؟ وهل أصبحت سياسة الاستيراد خيارا دائما بدل أن تكون إجراء استثنائيا لسد الخصاص؟
بالنسبة لكثير من الفلاحين، فإن المشكلة لا تتعلق بالمنافسة فقط، بل بشعور متزايد بأن المنتج الوطني يواجه عراقيل متراكمة، في الوقت الذي تحظى فيه الحبوب المستوردة بظروف أكثر ملاءمة للولوج إلى السوق.
من المستفيد من إضعاف الإنتاج المحلي؟
في عالم الاقتصاد، يبقى السؤال الأهم دائما من المستفيد؟
عندما يتراجع الإنتاج المحلي لأي سبب، ترتفع الحاجة إلى الاستيراد. وكلما ارتفعت فاتورة الاستيراد ازدادت أرباح الجهات المرتبطة بسلاسل التوريد والتخزين والتوزيع والطحن. وليس يخفى أن هناك لوبيا صهيونيا فلاحيا يتحكم في قطاع الفلاحة في المغرب، وهو المستفيد الأول من إضعاف هذا القطاع، بما يتيح له التحكم فيه ومن ثم التأثير على الأمن الغذائي للمغاربة.
غير أن ما يثير القلق أكثر من الحرائق نفسها، هو تزامنها مع منظومة كاملة من الوقائع التي تصب كلها في اتجاه واحد وهو إضعاف المنتج الوطني وتعزيز الارتهان لهذا اللوبي الصهيوني.
الأمن الغذائي بين التحذيرات والواقع
خلال السنوات الأخيرة انتشرت تحذيرات كثيرة بشأن أزمات غذائية عالمية محتملة، ومخاطر تهدد إنتاج الغذاء والمياه والطاقة.
وبغض النظر عن صحة بعض التوقعات أو مبالغاتها، فإن الواقع يؤكد أن العالم يعيش مرحلة من الاضطرابات الاقتصادية والمناخية والجيوسياسية جعلت قضية الأمن الغذائي في صدارة الأولويات الوطنية للدول.
ومن هذا المنطلق يرى كثيرون أن ما يحدث في القطاع الزراعي المغربي لا يمكن النظر إليه باعتباره أحداثاً طط معزولة، بل باعتباره جزءا من معركة تتعلق بالقدرة على إنتاج الغذاء محليا والحفاظ على السيادة الغذائية.
وأخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة ليس نقص الأمطار أو تقلبات المناخ فقط، بل أن تتحول قراراتها الغذائية تدريجيا إلى رهينة شبكات المال والنفوذ والمصالح التجارية التي لا تنظر إلى الحقول باعتبارها مصدر أمن وسيادة، بل باعتبارها مجرد أرقام في معادلة الربح والخسارة.
هل نحن أمام أزمة سيادة غذائية؟
السؤال لم يعد مرتبطا بحرائق هنا أو هناك، ولا بنقص آلة حصاد في منطقة معينة، بل يتعلق بمستقبل الأمن الغذائي للمغرب ككل.
فإذا استمرت الخسائر التي تطال المنتج المحلي، واستمرت التبعية المتزايدة للأسواق الخارجية، فإن المغرب سيجد نفسه أكثر عرضة لتقلبات الأسعار والأزمات الدولية.
وحين تتكرر الأزمات في هذا القطاع، وتكون النتيجة دائما إضعاف الفلاح المحلي وتقوية موقع المستورد، يصبح من حق الرأي العام أن يتساءل، من الذي يربح في كل مرة يخسر فيها المغرب جزءا من إنتاجه الوطني؟ ومن الذي يزداد نفوذا كلما ازدادت هشاشة أمنه الغذائي؟
سواء كانت الحرائق ناتجة عن عوامل طبيعية أو أفعال متعمدة، فإن النتيجة واحدة، خسارة جزء من الإنتاج الوطني في لحظة يحتاج فيها المغرب إلى كل حبة قمح ينتجها.
وإذا كان هناك درس ينبغي استخلاصه من هذه الأحداث، فهو أن الأمن الغذائي لا يقل أهمية عن الأمن الاقتصادي أو الأمن الاستراتيجي. فالدول التي لا تحمي حقولها ومزارعيها تجد نفسها عاجلا أو آجلا رهينة للأسواق الخارجية ولحسابات لا تملك السيطرة عليها.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى كشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة أي جهة يثبت تورطها في الإضرار بالمحاصيل الوطنية، ووضع سياسات تجعل مصلحة الفلاح والإنتاج المحلي فوق أي اعتبارات أخرى، لأن معركة الغذاء اليوم لم تعد معركة اقتصادية فقط، بل معركة سيادة وطنية بامتياز.
