- أبو علي بلمزيان
في مواجهة النزعات البرجوازية الصغيرة وما بعد الحداثية داخل الحركة الماركسية.
إن النقاش الدائر حول ما يسمى بـ«النقد المزدوج» داخل النهج الديمقراطي العمالي لا يمكن فصله عن الصراع الفكري والسياسي الذي تخوضه الحركة العمالية ضد مختلف أشكال الهيمنة البرجوازية، بما فيها تلك التي تتخفى وراء خطاب الحداثة وما بعد الحداثة، وتستعير مفردات الحرية والاختلاف والتعددية لتبرير نزعات فردية تتناقض، في جوهرها، مع شروط بناء التنظيم الثوري القادر على تغيير موازين القوى الطبقية.
فالمسألة لا تتعلق بمجرد اختلاف في التقدير أو بتباين في قراءة بعض القضايا التنظيمية، وإنما تتصل بطبيعة الحزب الذي تحتاجه الطبقة العاملة، وبالوظيفة التاريخية التي ينبغي أن يضطلع بها في مواجهة الاستغلال الرأسمالي والاستبداد السياسي.
هل نحن أمام تنظيم سياسي يستمد شرعيته من ارتباطه الفعلي بنضالات الطبقة العاملة والجماهير الشعبية، أم أمام تجمع مفتوح على كل أشكال الاختلاف غير المنضبط، حيث يتحول النقاش إلى غاية في حد ذاته، ويصبح الالتزام الجماعي عبئا على حرية الفرد؟
إن هذه الأسئلة تفرض علينا التمييز بين النقد الماركسي الذي يستهدف تطوير الممارسة الثورية وتصحيح أخطائها، وبين النزعات التي تتخذ من النقد ذريعة لتفكيك التنظيم وإفراغه من مضمونه الطبقي.
أولا: المركزية الديمقراطية ليست سلطوية، والانضباط ليس نقيضا للحرية.
إن تصوير النهج الديمقراطي العمالي باعتباره تنظيما سلطويا لمجرد احتكامه إلى قرارات الأغلبية واحترامه للانضباط الجماعي، ليس سوى اختزال أيديولوجي يتجاهل طبيعة التنظيمات الثورية وشروط اشتغالها في ظل نظام طبقي قائم على الاستغلال والقمع.
فالمركزية الديمقراطية ليست امتيازا للقيادة، ولا آلية لإخضاع المناضلين لإرادة فرد أو مجموعة، وإنما هي مبدأ تنظيمي يقوم على وحدة الإرادة والعمل، انطلاقا من نقاش ديمقراطي يسمح بتعدد الآراء وتبادل الحجج والتقييم الجماعي للتجربة النضالية.
إن حرية النقاش داخل التنظيم ليست امتيازا تمنحه القيادة، بل هي ضرورة سياسية وفكرية تفرضها طبيعة الصراع الطبقي نفسه. غير أن هذه الحرية لا يمكن أن تتحول إلى مبرر لتعطيل القرارات الجماعية أو تحويل كل حسم تنظيمي إلى موضوع نزاع دائم.
فالتنظيم الثوري ليس ناديا للنقاش الفلسفي، ولا فضاء لتبادل المواقف الفردية المعزولة عن متطلبات النضال الجماعي. إنه أداة سياسية للطبقة العاملة، تستمد قوتها من قدرتها على توحيد الإرادة والممارسة، ومن استعداد مناضليها لتحمل مسؤولية القرارات التي يساهمون في اتخاذها.
ومن هنا، فإن الانضباط الحزبي لا يعني إلغاء التفكير النقدي، كما أن حرية التفكير لا تعني إعفاء الفرد من مسؤولية الالتزام الجماعي.
ثانيا: النقد الماركسي ليس تفكيكا لا نهائيا للتنظيم.
إن الخلط بين النقد الماركسي والنقد المزدوج، كما يطرح في بعض الخطابات المتأثرة بنزعات ما بعد الحداثة، يكشف عن اضطراب منهجي في فهم العلاقة بين النظرية والممارسة.
فالنقد الماركسي ليس موقفا سلبيا من الواقع، ولا ممارسة ذهنية منفصلة عن الصراع الطبقي، بل هو أداة لفهم التناقضات الاجتماعية وتغيير شروط إنتاجها وإعادة إنتاجها.
إن نقد الرأسمالية لا يكتمل بمجرد كشف تناقضاتها الاقتصادية والاجتماعية، بل يقتضي بناء القوة السياسية القادرة على تجاوزها. كما أن نقد الممارسة التنظيمية لا يستهدف تقويض التنظيم، وإنما تطوير قدرته على الارتباط بالطبقة العاملة والجماهير الشعبية، وتصحيح أخطائه التكتيكية والاستراتيجية.
أما تحويل النقد إلى ممارسة دائمة للتشكيك في كل شيء، دون التمييز بين ما هو قابل للمراجعة وما يشكل الأساس النظري والسياسي للهوية التنظيمية، فإنه يؤدي إلى إفراغ النقد من وظيفته التحررية وتحويله إلى أداة للتعطيل.
إننا لا ندافع عن تنظيم معصوم من الخطأ، ولا عن نظرية خارج التاريخ، بل عن ضرورة التمييز بين النقد الذي يطور الممارسة الثورية والنقد الذي ينتهي إلى نفي إمكانية العمل الجماعي المنظم.
فالمراجعة الفكرية ليست غاية في ذاتها، كما أن الحفاظ على الهوية الماركسية اللينينية لا يعني إغلاق باب الاجتهاد أو تحريم مساءلة الموروث النظري.
ثالثا: ما بعد الحداثة والنزعة الفردية البرجوازية الصغيرة.
إن إحدى المعضلات الأساسية في بعض الخطابات المتأثرة بما بعد الحداثة تتمثل في نقل مفاهيم الاختلاف والتعددية والسيولة من مجال نقد أشكال الهيمنة إلى مجال التشكيك في كل إمكانية لبناء مشروع سياسي جماعي.
فحين يصبح كل التزام تنظيمي تعبيرا عن سلطة، وكل قرار جماعي ممارسة للإقصاء، وكل انضباط شكلا من أشكال القمع، فإننا نكون أمام تصور لا يميز بين السلطة الطبقية التي تمارسها البرجوازية وبين التنظيم الجماعي الذي تحتاجه الطبقة العاملة لمقاومة تلك السلطة.
وهنا تتجلى إحدى المفارقات الأساسية: فبينما ترفع هذه النزعات شعار التحرر من كل سلطة، فإنها تتجاهل أن الرأسمالية نفسها تنتج أشكالا عميقة من الإخضاع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وأن الحرية الفردية تظل محدودة ما لم ترتبط بتحرير الإنسان من شروط الاستغلال.
إن الفردانية التي تنفصل عن الصراع الطبقي لا تؤدي بالضرورة إلى التحرر، بل قد تتحول إلى شكل من أشكال التكيف مع الواقع القائم، حيث يصبح الانشغال بتفكيك التنظيم أكثر حضورا من الانخراط في معارك الجماهير.
ولا يعني ذلك أن كل نقد للمركزية الديمقراطية هو نزعة برجوازية صغيرة، أو أن كل اختلاف تنظيمي يشكل تهديدا لوحدة الحزب. فالمطلوب هو التمييز بين النقد المسؤول الذي يستهدف تطوير التنظيم، وبين النزعات التي تجعل من الاختلاف الدائم مبررا لرفض الالتزام الجماعي.
رابعا: وحدة النظرية والممارسة شرط لتجاوز التصفوية.
إن الدعوة إلى إخضاع النظرية والممارسة للمساءلة الدائمة، دون تحديد المعايير المنهجية والسياسية لهذه المراجعة، تفتح الباب أمام الخلط بين التصحيح الضروري للممارسة وبين التخلي عن الأسس الفكرية التي تمنح التنظيم هويته الطبقية.
فالماركسية اللينينية ليست مجموعة من النصوص المقدسة، وإنما منهج علمي لفهم المجتمع وتناقضاته، واستخلاص الدروس من التجربة التاريخية والنضالية.
إن النظرية تتطور من خلال الممارسة، والممارسة لا تستقيم دون مرجعية نظرية قادرة على تفسير الواقع وتوجيه الفعل السياسي. ومن ثم، فإن الفصل بينهما يؤدي إما إلى جمود عقائدي يعجز عن فهم التحولات الاجتماعية، أو إلى انتهازية سياسية تتخلى عن المبادئ كلما تغيرت موازين القوى.
لقد مارس النهج الديمقراطي العمالي نقداً ذاتياً حقيقياً في مؤتمره الوطني السادس، محولاً إياه إلى لحظة تاريخية فارقة في الديمقراطية والحوار البنّاء. إنه النقد الكفيل بربط تقييم المسار التنظيمي بمدى قدرته على دفع عجلة الصراع الطبقي، والتحام التنظيم بالعمال والكادحين، وتعزيز ريادته في المعارك الاجتماعية والسياسية.
إن هذا النقد يفرض اليوم جرأةً في مكاشفة الأخطاء وتصحيحها، والابتعاد الحاسم عن التبرير الذاتي، ونبذ كل أشكال شخصنة الخلافات الفكرية.
خامسا: النهج الديمقراطي العمالي ومهام المرحلة.
إن قوة النهج الديمقراطي العمالي لا تقاس بمجرد صلابة مواقفه النظرية، ولا بقدرته على حسم الخلافات الداخلية، وإنما بمدى ارتباطه الفعلي بنضالات الطبقة العاملة والجماهير الشعبية، وبقدرته على المساهمة في بناء ميزان قوى يسمح بمواجهة الاستغلال والاستبداد والتهميش.
فالتنظيم الذي ينفصل عن الجماهير يفقد تدريجيا مبرر وجوده السياسي، مهما بلغت سلامة أطروحاته النظرية. كما أن التنظيم الذي يتخلى عن هويته الطبقية باسم التعددية المطلقة يفقد القدرة على تحديد موقعه من الصراع الاجتماعي.
إن المطلوب اليوم ليس الدفاع عن التنظيم دفاعا تبريريا، ولا تحويل النقد إلى معركة لإثبات الولاء، وإنما تطوير نقاش ماركسي مسؤول حول شروط بناء الحزب العمالي الثوري، وحول العلاقة بين الديمقراطية الداخلية والانضباط الجماعي، وبين الاستقلال الفكري ووحدة العمل السياسي.
ومن هذا المنطلق، فإن مواجهة النزعات التصفوية لا تكون بالتشهير بأصحابها أو بتجريم الاختلاف، بل بتقديم الحجة السياسية والفكرية، وتعميق النقاش حول طبيعة المرحلة ومهام التنظيم، وربط كل موقف تنظيمي بمصالح الطبقة العاملة والجماهير الشعبية.
إن القضية الجوهرية ليست الاختيار بين النقد والتنظيم، ولا بين الحرية والانضباط، وإنما بناء تنظيم ثوري يجمع بين ديمقراطية النقاش ووحدة الممارسة، وبين النقد الذاتي والالتزام الجماعي، وبين صلابة المبادئ والمرونة التكتيكية.
فلا نقد ثوريا خارج الصراع الطبقي، ولا تنظيم ثوريا دون ديمقراطية داخلية، ولا وحدة حقيقية دون احترام الاختلاف، كما لا يمكن لأي مشروع تحرري أن يحقق أهدافه إذا تحول الاختلاف إلى ذريعة لتعطيل العمل الجماعي.
إن النهج الديمقراطي العمالي، بما يحمله من مشروع ماركسي لينيني، مدعو إلى مواصلة تطوير تجربته التنظيمية والنضالية، لا بالانغلاق على الذات أو بتقديس الممارسة القائمة، وإنما بالانفتاح النقدي المسؤول على دروس الحركة العمالية وتجارب الشعوب، وبالتمسك بمهمته الأساسية: بناء القوة السياسية المستقلة للطبقة العاملة والكادحين، والمساهمة في تغيير موازين القوى الطبقية، من أجل مجتمع خال من الاستغلال والاستبداد.
