- أبو علي بلمزيان – الحسيمة
لم يعد انحياز توفيق بوعشرين مجرد تعاطف فكري عابر أو تبنٍ لخط تحريري مستقل، بل تحول أداؤه الإعلامي إلى منصة دعائية مكشوفة تتجاوز حدود العمل الصحفي المهني. إن تفكيك خطابه الأخير، وبخاصة تفاعله السريع مع إسقاط الدعوى العمومية في حق القيادي الإسلامي عبد العالي حامي الدين في قضية الشهيد محمد بنعيسى آيت الجيد، يكشف عن توظيف فج لصفة الصحفي في دور “المحاماة الأيديولوجية” وصناعة أدوات التبييض السياسي.
يتجلى هذا الارتكاس المهني في محاولة بوعشرين المستمرة تحويل المنصات الرقمية إلى صكوك براءة معنوية سريعة المفعول، متغافلًا عن فظاعة الحادثة التاريخية وعن عقود من التجاذب السياسي والحقوقي التي كلفت عائلة الضحية آيت الجيد مسارات مريرة من التقاضي والبحث عن الحقيقة.
وبدلًا من الوقوف بمسافة واحدة ومناقشة الحيثيات القانونية الصرفة أو الحفاظ على حرمة دماء الضحايا، هرع القلم ليجعل من إسقاط المتابعة بسبب “سبقية البت” والتقادم الإجرائي نصرًا حقوقيًا مطلقًا، بل ذهب إلى حد المطالبة بالاعتذار والتعويض المعنوي، في قفزة بهلوانية تعيد إنتاج خطاب “الاستعلاء والمظلومية الاستراتيجية”.
إن هذا النوع من التناول يتجاوز الإخفاق المهني ليسقط في مستنقع البروباغندا وتبييض الوجوه السياسية؛ حيث يُعاد رسم المشهد بجرأة غريبة لتتحول القيادات الحزبية المتورطة في صراعات العنف الجامعي الدامي إلى “ضحايا دائمين للتشهير”، بينما تُطمس معالم المأساة الحقيقية التي حلت بالضحية وعائلته. هذا التحوير المتعمد لجوهر القضايا الحقوقية، وتجريد الوقائع من سياقها الجنائي لصالح الاصطفافات الحزبية الضيقة، هو طعنة مباشرة لمصداقية السلطة الرابعة التي يفترض بها تعرية الحقائق لا تغطيتها بأوراق التوت السياسية.
إن سقوط المسافة النقدية يضع هذا الأداء الإعلامي أمام حقيقته العارية: بوق دعائي يقتات على تبييض الوقائع، ليصبح الصحفي مجرد موظف علاقات عامة في خدمة أجندة تيار يرى نفسه فوق النقد وفوق المحاسبة التاريخية والمجتمعية.
إن هذا التوظيف الممنهج للقضايا السياسية والحقوقية ليس عبثاً، بل هو استجابة لدفتر تحملات غير مكتوب؛ حيث يتم حشد الجماهير العقائدية لرفع نسب المشاهدة والتفاعل رقمياً، مقابل تأمين الرعاية السياسية والدعم المعنوي للكاتب. وبدل أن يمارس الصحفي دوره كرقيب مستقل على السلطة، تحول إلى موظف علاقات عامة يتقاضى أجر موقفه من رصيد التعاطف الحزبي.
إن خطورة هذا النهج تتجاوز مجرد الانحياز لشخص أو تيار، لتضرب في العمق مستقبل الصحافة المستقلة ورسالتها التنويرية. فعندما يتحول القلم إلى دكان لبيع المواقف وتأجير الولاءات، وتصبح دماء الضحايا مجرد أرقام في بورصة المزايدات، تفقد السلطة الرابعة ما تبقى لها من مصداقية، وتتحول إلى مجرد صدى لخطاب تبريري بئيس. إن الصحافة الحقيقية تموت يوم أن تصبح المقاولة الإعلامية وسيلة لتبييض العنف السياسي وصناعة الأقنعة لستر عورات التنظيمات، بدلاً من أن تكون مرآة تعكس الحقيقة العارية للمجتمع وتنتصر للعدالة دون حسابات ضيقة.
