هاجر الريسوني
في جنوب أفريقيا، بعد سقوط نظام الفصل العنصري، قامت تجربة العدالة الانتقالية على مبدأ “الحقيقة مقابل العفو”، كان بإمكان المتورطين في الانتهاكات طلب العفو، لكن بشرط الكشف الكامل عن الجرائم التي ارتكبوها، والخضوع لمسطرة تسمح بفحص رواياتهم ومواجهتها بالشهادات والأدلة. ورغم حدود هذه التجربة، فقد ساهمت في إنتاج أرشيف مهم عن تاريخ القمع والمسؤولين عنه.
في المغرب، اختارت هيئة الإنصاف والمصالحة مسارا مختلفا، اعترف بالانتهاكات وجبر ضرر الضحايا (رغم محدوديته)، لكنه استبعد تحديد المسؤوليات الفردية والمحاسبة القضائية، بينما ظل الأرشيف الأمني ثم أرشيف IER نفسها بعيدا عن متناول الباحثين والصحافيين وعموم المغاربة.
أستحضر هذه المقارنة وأنا أتابع حوار حميد المهدوي مع محمود عرشان، الذي ينفي وجوده في درب مولاي الشريف، رغم ورود اسمه في شهادات ضحايا الجمر والرصاص.
في كتابها L’Ère du témoin، تناولت المؤرخة أنيت فييفيوركا التحول الذي عرفته مكانة الشاهد في كتابة التاريخ، خصوصا منذ محاكمة أيخمان سنة 1961، حين أصبحت الشهادة تحتل موقعا مركزي في بناء الذاكرة الجماعية. لكن ذلك لم يلغي التمييز بين الذاكرة والتاريخ، وبين الاعتراف بتجربة الشاهد والتحقق من الوقائع التي يرويها. كما أن أهمية الشهادة لا تكمن فقط في إخبارنا بما حدث، بل أيضا في المعاني التي يمنحها الشهود للأحداث، وفي الطريقة التي يعيدون بها بناء الماضي انطلاقاً من موقعهم في الحاضر.
لذلك فشهادة عرشان لا تفقد قيمتها التاريخية لمجرد أنها تتضمن نفيا لاتهامات وردت في شهادات ضحايا، بل هي تقدم مادة يمكن دراستها مستقبلاً، لفهم كيفية إعادة بناء ذلك الماضي في الحاضر، وكيف يقدم الفاعلون السابقون أدوارهم بعد عقود من الأحداث.
لكن علينا أن نميز بين إنتاج شهادة وإنتاج حقيقة تاريخية، ففي البحث التاريخي، لا يعني غياب الوثيقة الرسمية عدم وقوع الانتهاك، خصوصا عندما يتعلق الأمر بممارسات سرية ارتكبتها أجهزة الدولة. كما أن غياب الإدانة القضائية لا يعني بالضرورة انتفاء المسؤولية.
وهنا يأتي مربط الفرس، كيف نطالب الضحايا بتقديم الأدلة على اتهامهم لاشخاص بتعذيبهم في اماكن سرية، في حين أن الوثائق التي قد تساعد على إثباتها أو نفيها خارج متناولهم ومتناول الباحثين والصحافيين وكل المهتمين. وكيف يمكن استخدام غياب الأحكام القضائية لنفي المسؤولية في تجربة “عدالة انتقالية” لم تجعل المحاسبة القضائية جزءا من عملها.
ما يستوقفني ليس إنكار عرشان وحده، بل موقعه داخل بنية السلطة، فنحن أمام مسؤول أمني سابق، ظل حاضرا في الحياة السياسية، وتولى مسؤولية في مؤسسة دستورية ومؤسسات أخرى، وبينما لا يزال ضحايا الانتهاكات مطالبين، بعد عقود، بإثبات ما تعرضوا له، ويمكن أن يحدوا أنفسهم متابعون يالتشهير.
هذه المفارقة تكشف أحد حدود العدالة الانتقالية المغربية، فقد اعترفت الدولة بوقوع الانتهاكات، لكنها لم تجعل تحديد المسؤوليات الفردية شرطا “للمصالحة”، ولم تقطع بالضرورة مع شبكات السلطة التي تشكلت خلال سنوات القمع.
في دراسة الأنظمة السلطوية، لا تكمن استمرارية السلطة في بقاء المؤسسات وحدها، بل أيضاً في قدرة النخب المرتبطة بها على إعادة إنتاج مواقعها وشرعيتها عبر التحولات السياسية. ومن هذا المنظور، فإن استمرار حضور شخصيات ارتبطت أسماؤها بالانتهاكات داخل المؤسسات كوجه من أوجه استمرار السلطوية بأساليب جديدة.
والأخطر أن عبء الإثبات ظل يقع على الضحية، فعليها أن تروي تعذيبها، ثم تعيد روايته، وتدافع عن صدقيتها كلما فتح النقاش. وفي المقابل، يستطيع صاحب الموقع السياسي والنفوذ أن يقدم روايته من داخل المؤسسات ويتم الترويج بها.
لا يعني هذا أن شهادات الضحايا معفاة من النقد التاريخي، أو أن الاتهام يساوي الإدانة، لكنه يعني أن التعامل مع الروايات بمعزل عن علاقات القوة التي أنتجتها يخلق مساواة شكلية تخفي اختلالا عميقا في القدرة على إثبات الحقيقة.
للأسف لم تقتصر حدود هيئة الانصاف والمصالحة على غياب المحاسبة، بل امتدت إلى استمرار اختلال موازين القوة بين الضحايا ومن تُنسب إليهم الانتهاكات حتى في معركة كتابة التاريخ نفسه.
