أعلنت الجزائر اليوم الخميس، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، في خطوة تعكس وصول الخلافات بين البلدين إلى مرحلة غير مسبوقة، بعد أشهر من التوتر السياسي وتبادل الاتهامات بشأن عدد من الملفات الإقليمية والثنائية.
ونقلت وسائل إعلام رسمية جزائرية أن قرار قطع العلاقات جاء بعد ما وصفته الجزائر بـ “استنفاد جميع الوسائل للحفاظ على العلاقات الثنائية”، من دون أن يتضمن الإعلان، حتى الآن، تفاصيل محددة بشأن الأسباب المباشرة التي دفعت الجزائر إلى اتخاذ قرار القطيعة. وفي المقابل، لم يصدر عن وزارة الخارجية الإماراتية رد رسمي على القرار حتى وقت إعداد هذا التقرير.
قرار مفاجئ في الشكل.. متوقع في سياق الأزمة
ورغم أن إعلان قطع العلاقات يمثل تطورا دبلوماسيا كبيرا، فإنه يأتي بعد مسار طويل من التدهور في العلاقات بين الجزائر وأبوظبي.
وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد أشار في وقت سابق إلى وجود خلافات مع دولة خليجية لم يسمّها، في وقت أشاد فيه بالعلاقات التي تربط الجزائر بعدد من دول الخليج، بينها السعودية والكويت وعُمان وقطر. وفُهمت تصريحاته على نطاق واسع باعتبارها إشارة إلى الإمارات، في ظل تزايد التوتر بين البلدين.
وتصاعدت حدة الخلافات خلال الأشهر الماضية، بعدما اتهمت الجزائر الجانب الإماراتي بالتدخل في شؤونها الداخلية ومحاولة التأثير في استقرارها، وهي اتهامات لم تكن قد قادت في مراحلها الأولى إلى قطيعة دبلوماسية معلنة، لكنها أسهمت في تآكل الثقة السياسية بين الطرفين.
وفي فبراير الماضي، بدأت الجزائر إجراءات إنهاء اتفاقية النقل الجوي الموقعة مع الإمارات عام 2013، في خطوة اعتُبرت آنذاك مؤشرا إضافيا على عمق الأزمة بين البلدين.
خلافات تتجاوز العلاقات الثنائية
لا تبدو الأزمة الجزائرية الإماراتية محصورة في خلافات ثنائية، إذ تتقاطع مع تباينات أوسع بشأن ملفات إقليمية متعددة.
وتتبنى الجزائر منذ سنوات خطاباً يقوم على رفض التدخلات الخارجية في الأزمات العربية والإفريقية، والدفع باتجاه حلول سياسية وطنية للأزمات، وهو ما أكده وزير الدولة وزير الخارجية أحمد عطاف خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة مطلع سبتمبر الجاري.
وشدد عطاف على ضرورة أن تكون معالجة الأزمات العربية “وطنية” و”جامعة”، وبعيدة عن التدخلات الخارجية، في إشارة إلى الموقف الجزائري التقليدي من ملفات المنطقة.
وتبرز ليبيا والسودان ومنطقة الساحل ضمن الملفات التي تتباين فيها حسابات القوى الإقليمية، فيما تمثل القضية الفلسطينية والعلاقة مع “إسرائيل” أحد الملفات الحساسة في السياسة الخارجية الجزائرية.
من ليبيا إلى الساحل.. خلفيات جيوسياسية للأزمة
تتباين مقاربات الجزائر وأبوظبي تجاه عدد من الأزمات الإقليمية، ولا سيما في ليبيا.
وتحاول الجزائر الحفاظ على موقعها باعتبارها دولة حدودية مع ليبيا، وتؤكد باستمرار دعمها لحل سياسي ليبي بعيد عن التدخلات الخارجية. وفي المقابل، ارتبط اسم الإمارات خلال السنوات الماضية بدعم أطراف مختلفة في الصراع الليبي، ما جعل الملف أحد مجالات التباين بين البلدين.
كما تتقاطع حسابات الجزائر والإمارات في ملفات أخرى مرتبطة بالسودان ومنطقة الساحل، في ظل تنافس إقليمي متزايد على النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني في شمال إفريقيا والقرن الإفريقي.
وتشير قراءة لمسار الأزمة إلى أن الخلاف لم يعد متعلقاً بملف واحد، وإنما أصبح نتيجة تراكم مجموعة من الملفات والمواقف التي عمقت الفجوة بين العاصمتين.
العلاقات الاقتصادية أمام اختبار صعب
ولا تقتصر تداعيات القطيعة على الجانب السياسي والدبلوماسي، إذ تمتلك الشركات والمصالح الإماراتية حضوراً اقتصادياً في الجزائر، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن مستقبل الاستثمارات والمشاريع المشتركة.
وكانت العلاقات الاقتصادية بين البلدين قد شهدت خلال السنوات الماضية تعاوناً في مجالات متعددة، إلا أن التوتر السياسي بدأ يفرض نفسه بصورة متزايدة على هذا المسار.
ويطرح قطع العلاقات الدبلوماسية سؤالاً أساسياً حول ما إذا كانت القطيعة ستبقى محصورة في المجال السياسي، أم ستتوسع لتشمل التعاون الاقتصادي والاستثمارات والاتصالات التجارية.
ومن المرجح أن يكون هذا الملف من أكثر الملفات حساسية خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً أن أي إجراءات اقتصادية إضافية قد تكون لها آثار مباشرة على الشركات والمشاريع المرتبطة بالبلدين.
ماذا يعني القرار إقليميا؟
يحمل القرار الجزائري أبعاداً تتجاوز العلاقات الثنائية، خصوصاً في ظل التحولات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
فالجزائر تسعى منذ سنوات إلى الحفاظ على سياسة خارجية مستقلة، تقوم على عدم الانخراط في المحاور الإقليمية، مع التأكيد على مبدأ السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
وفي المقابل، تنتهج الإمارات سياسة إقليمية عدائية، وتتدخل في كثير من ساحات الحرب في المنطقة.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى القطيعة باعتبارها انعكاسا لاختلاف أوسع حول طبيعة الدور الإقليمي لكل من الجزائر والإمارات، وليس مجرد خلاف دبلوماسي تقليدي.
غياب الرد الإماراتي يترك الباب مفتوحا
حتى لحظة إعداد هذا التقرير، لم يصدر رد رسمي من وزارة الخارجية الإماراتية على إعلان الجزائر قطع العلاقات، وفق ما أوردته وكالة رويترز.
ويكتسب الرد الإماراتي أهمية خاصة، لأنه سيحدد إلى حد كبير طبيعة المرحلة المقبلة؛ هل تتجه الأزمة نحو مزيد من التصعيد أم تسعى أبوظبي إلى احتواء تداعيات القرار وترك قنوات خلفية مفتوحة؟
كما أن طبيعة الإجراءات التي ستتخذها الجزائر بعد إعلان القطيعة ستكون مؤشرا مهما على مدى شمول القرار، وما إذا كان سيقتصر على التمثيل الدبلوماسي أم سيمتد إلى مجالات اقتصادية وأمنية أخرى.
يمثل قرار الجزائر قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات أخطر محطة في مسار الخلاف بين البلدين خلال السنوات الأخيرة. فالقرار لم يأتِ من فراغ، بل سبقه تدهور تدريجي في العلاقات وتباين في المواقف بشأن ملفات داخلية وإقليمية، إضافة إلى خطوات عملية عكست تراجع مستوى التعاون بين الطرفين.
وفي الوقت الذي تبقى فيه الأسباب التفصيلية للقرار بحاجة إلى مزيد من التوضيح الرسمي، فإن توقيته يؤكد أن الخلاف بين الجزائر وأبوظبي تجاوز مرحلة التباين السياسي العابر إلى أزمة دبلوماسية مفتوحة.
