تقرير/
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، سعى الاتحاد الأوروبي إلى تقديم نفسه باعتباره النموذج العالمي للديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون. وقد بُني جزء كبير من شرعيته الأخلاقية على رفض الممارسات التي أدت إلى كوارث القرن العشرين، وعلى رأسها التمييز والإقصاء الجماعي والتعامل مع البشر باعتبارهم مشكلة أمنية أو ديموغرافية يجب التخلص منها. غير أن السياسات الأوروبية الجديدة المتعلقة بالهجرة واللجوء تحيلنا إلى سؤال، هل ما يزال الاتحاد الأوروبي متمسكا بالمبادئ التي أعلنها، أم أنه يعيد إنتاج منطق قديم بأدوات جديدة؟
تتمثل المفارقة الكبرى في أن أوروبا التي ترفع راية حقوق الإنسان داخل حدودها باتت تبحث عن حلول لمشكلة اللجوء خارج حدودها، من خلال نقل طالبي اللجوء إلى دول من الجنوب العالمي تعاني أصلا من هشاشة مؤسساتية أو أزمات أمنية أو تراجع ديمقراطي أو انتهاكات موثقة لحقوق الإنسان مثل ليبيا وروندا. وهنا تظهر إحدى أكثر المفارقات الأخلاقية حدة في السياسة الأوروبية المعاصرة، فبدل أن تتحمل الدول الأكثر ثراء واستقرارا مسؤولياتها القانونية والإنسانية، يجري تصدير هذه المسؤولية إلى دول أقل قدرة وأكثر هشاشة.
وجوهر هذه السياسة لا يكمن فقط في منع الوصول إلى أوروبا، بل في إعادة تعريف اللاجئ. فبدل النظر إليه باعتباره صاحب حق في الحماية الدولية، أصبح يُنظر إليه تدريجيا باعتباره خطرا محتملا أو عبئا اقتصاديا أو مشكلة يجب إبعادها عن المجال الأوروبي. وبهذا المعنى، لا يصبح الهدف إدارة اللجوء، بل إبعاد طالبي اللجوء عن المجال البصري والسياسي للمجتمعات الأوروبية.
وتكشف هذه السياسات عن استمرار علاقة غير متكافئة بين الشمال والجنوب. فالدول التي عانت تاريخيا من الاستعمار والاستغلال الاقتصادي والحروب بالوكالة تُطلب منها اليوم أن تتحمل تبعات أزمات عالمية لم تكن مسؤولة عن إنتاجها. وفي الوقت الذي ترفض فيه بعض الحكومات الأوروبية استقبال أعداد محدودة نسبيا من اللاجئين، تُترك دول الجنوب لاستضافة ملايين النازحين واللاجئين بموارد محدودة وبنى تحتية هشة.
الأكثر إثارة للقلق أن العديد من الدول المطروحة أو المستخدمة كشركاء في هذه السياسات تعاني من مشكلات عميقة تتعلق بالديمقراطية وسيادة القانون. ففي بعض الحالات لا توجد ضمانات كافية ضد الاعتقال التعسفي أو سوء المعاملة أو الاتجار بالبشر أو الإعادة القسرية. ومع ذلك، يبدو أن هذه الاعتبارات تصبح ثانوية عندما يتعلق الأمر بتحقيق الهدف السياسي اليميني الأساسي، وهو تقليل أعداد الوافدين إلى أوروبا وإرضاء الرأي العام القلق من الهجرة.
ولا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن الصعود المتزايد لليمين القومي والشعبوي في أوروبا. فقد نجحت هذه القوى في نقل النقاش من سؤال، كيف نحمي اللاجئين؟ إلى سؤال، كيف نحمي أنفسنا من اللاجئين؟. ومع مرور الوقت، لم يعد تأثيرها مقتصرا على الأحزاب اليمينية نفسها، بل امتد إلى أحزاب الوسط التي تبنت أجزاء متزايدة من خطابها خشية خسارة الناخبين. وهكذا أصبح اليمين المتطرف لا يحكم فقط عندما يفوز في الانتخابات، بل عندما ينجح في فرض أجندته على خصومه.
ولا يعني ذلك أن أوروبا اليوم تعيش إعادة إنتاج حرفية لمرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية؛ فالسياقات التاريخية مختلفة والمؤسسات الديمقراطية ما زالت قائمة. لكن التاريخ لا يعيد نفسه بالطريقة ذاتها، بل يعود غالبا في صور جديدة. فالمشكلة لا تبدأ عادة بمعسكرات الاعتقال أو الأنظمة الشمولية، بل تبدأ عندما يُعاد تعريف فئة من البشر باعتبارها تهديدا جماعيا، وعندما تصبح الحقوق خاضعة للاعتبارات السياسية، وعندما يُنظر إلى الكرامة الإنسانية باعتبارها امتيازا مرتبطا بالجنسية والمكان لا حقا عالميا.
وهكذا، فإن أخطر ما في السياسات الأوروبية الحالية ليس فقط ما تفعله باللاجئين، بل ما تكشفه عن التحول الذي يصيب المشروع الأوروبي نفسه. فحين تصبح حقوق الإنسان قابلة للتصدير خارج الحدود، وتصبح المسؤولية الأخلاقية قابلة للتفويض لدول أفقر وأضعف، فإن السؤال لا يعود متعلقا بمصير اللاجئين وحدهم، بل بمصير القيم التي ادعت أوروبا أنها تعلم العالم إياها. وعندها يغدو الحديث عن “أزمة هجرة” توصيفا ناقصا؛ لأن ما نشهده في جوهره قد يكون أيضا أزمة ضمير سياسي وأخلاقي داخل أوروبا ذاتها.
