الرباط – تقرير
لم يعد استمرار اعتقال النقيب والمحامي ووزير حقوق الإنسان الأسبق محمد زيان مجرد قضية قضائية عادية، بل بات ملفا إنسانيا وحقوقيا يفرض نفسه بقوة، في ظل بلوغ الرجل 84 سنة، وتوالي المعطيات المرتبطة بوضعه الصحي، واحتدام الخلاف بين أسرته وإدارة سجن «العرجات 1» حول ظروف علاجه وإقامته داخل المؤسسة السجنية.
وفي آخر تطورات الملف، عادت أسرة زيان ببلاغ جديد حذرت فيه من خطورة وضعه الصحي، مؤكدة أن المعطيات التي أوردتها إدارة السجن نفسها بشأن عدد الاستشارات والفحوصات الطبية لا تطمئنها، بل تكشف، من وجهة نظرها، عن وضع صحي يحتاج إلى عناية أكبر، وإلى إنهاء الاعتقال وتمكينه من العلاج في كنف أسرته.
وتقول الأسرة إن القضية لم تعد تحتمل مقاربة تقوم على تعداد الاستشارات الطبية والفحوصات، لأن صحة إنسان في الرابعة والثمانين لا يمكن اختزالها في أرقام.
84 سنة.. والسؤال لم يعد طبيا فقط
يبلغ محمد زيان 84 سنة، وهو ما يجعل استمرار اعتقاله في ظل الحديث المتواصل عن وضعه الصحي قضية تتجاوز الجدل القانوني البحت إلى سؤال يتعلق بالمعاملة الإنسانية للمسنين داخل المؤسسات السجنية.
فالأسرة تؤكد أن زيان يعاني من فقر الدم ومن نقص في فيتامين «د»، كما تقول إن جسمه لا يتحمل بعض الوجبات التي تقدمها له المؤسسة، وإنه يتعرض لنوبات قيء بعد تناولها.
وتربط الأسرة بين وضعه الغذائي وبين عقوبة تأديبية حرمته، لمدة محددة، من اقتناء بعض المواد من دكان السجن، معتبرة أن هذا الإجراء انعكس على صحته، خصوصاً أن بعض المواد التي كان يعتمد عليها في تغذيته، مثل الحليب والبيض، لم تعد متاحة له بالطريقة نفسها.
وكانت إدارة «العرجات 1» قد أكدت بالفعل، في يونيو الماضي، فرض عقوبة تأديبية على زيان تقضي بمنعه من الشراء من دكان المؤسسة لمدة 30 يوما، مع استثناء مواد النظافة، بعد إحالته على اللجنة التأديبية على خلفية مخالفة قالت الإدارة إنه ارتكبها باستعمال الهاتف الثابت للمؤسسة في غير الأغراض المخصصة له.
وبالنسبة إلى الأسرة، فإن الإشكال لا يكمن فقط في وجود العقوبة، وإنما في أثرها على رجل مسن يعاني أصلاً من مشاكل صحية.
وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يطرح بوضوح؛ هل ينبغي أن يكون النظام التأديبي داخل السجن منفصلا عن الوضع الصحي للمعتقل، أم أن سنه وحالته المرضية يفترضان البحث عن إجراءات لا تزيد من معاناته؟
«113 استشارة».. الأسرة ترى أن الرقم لا يجيب عن جوهر القضية
في محاولة منها للرد على المخاوف التي أثارتها أسرة زيان، كشفت إدارة السجن المحلي «العرجات 1» عن حصيلة للمتابعة الطبية التي استفاد منها المعتقل.
وقالت إن زيان استفاد من 113 استشارة طبية داخل المؤسسة، بينها 16 في طب الأسنان، إضافة إلى 12 استشارة طبية تخصصية بالمستشفى، و51 فحصاً بيولوجياً و8 فحوصات بالأشعة، مشيرة إلى أن آخر استشارة له في الطب العام كانت في 5 غشت الجاري.
لكن هذه الأرقام لم تنه الجدل. فأسرة زيان لا تنكر، في بلاغها، وجود استشارات طبية، وإنما تقول إن المشكلة الحقيقية تكمن في طبيعة الرعاية وظروف تلقيها ومدى ملاءمتها لحالته الصحية وسنه.
وبمعنى آخر، فإن وجود الطبيب لا يعني بالضرورة أن شروط العلاج مثالية، كما أن كثرة الفحوصات لا تجيب وحدها عن السؤال المتعلق بما إذا كان المريض يتلقى العلاج والغذاء والظروف الإنسانية التي يحتاج إليها.
وهذا هو جوهر اعتراض الأسرة على الطريقة التي قدمت بها إدارة السجن المعطيات الطبية للرأي العام.
لماذا رفض زيان الذهاب إلى المستشفى؟
تقول إدارة السجن إن محمد زيان رفض في خمس مناسبات الخروج إلى المستشفى الخارجي، ثلاث منها من أجل استشارات تخصصية واثنتان لإجراء فحوصات طبية.
غير أن الأسرة تقدم تفسيرا مختلفا تماما. فبحسب روايتها، لا يتعلق الأمر برفض العلاج، وإنما برفض الذهاب إلى المستشفى مقيد اليدين.
وتؤكد الأسرة أن زيان سبق أن عبر أكثر من مرة عن رفضه وضع الأصفاد في يديه أثناء نقله، معتبراً ذلك مساساً بكرامته، خصوصا أنه رجل مسن ومريض.
وهنا تصبح القضية أكثر تعقيدا من مجرد القول إن المعتقل «رفض العلاج».
فالإنسان الذي يرفض وسيلة معينة لنقله إلى المستشفى لا يعني بالضرورة أنه يرفض العلاج نفسه.
إن كان الهدف هو العلاج، فإن البحث عن حل يضمن وصوله إلى المستشفى دون إذلاله أو دفعه إلى رفض النقل يبدو أكثر إنسانية من الاكتفاء بتسجيل حالات الرفض.
إدارة السجون تكشف معطيات صحية خاصة.. والأسرة تحتج
من بين أكثر النقاط إثارة للجدل في البلاغات المتبادلة، مسألة نشر تفاصيل مرتبطة بالصحة الشخصية لمحمد زيان.
فأسرة زيان اعتبرت أن إدارة المؤسسة السجنية تجاوزت حدودها عندما كشفت للرأي العام معطيات وأرقاماً تتعلق بوضعه الصحي، وقالت إن هذه المعطيات شخصية وطبية وخاصة، ولا يحق للمؤسسة نشرها بهذه الطريقة.
وترى الأسرة أن الإدارة، وهي تحاول الرد على الانتقادات الموجهة إليها، وجدت نفسها تكشف تفاصيل لم تكن الأسرة تعرف بعضها أصلاً، وهو ما اعتبرته مساساً بخصوصية المعتقل وكرامته.
وهذه النقطة تفتح بدورها سؤالاً أوسع حول حق السجين في الخصوصية الطبية، حتى عندما يكون شخصية عامة أو موضوع اهتمام إعلامي.
فكون محمد زيان شخصية سياسية وقانونية معروفة لا يعني أن جسده وصحته يتحولان إلى ملك عام.
قصة الاعتقال.. من عقوبة إلى أخرى
ولفهم المطالبة الحالية بالإفراج عن زيان، لا بد من العودة إلى مسار اعتقاله.
فالرجل يقبع في السجن منذ سنوات، وكان قد استوفى خلال نونبر الماضي عقوبة حبسية سابقة مدتها ثلاث سنوات، وكان يفترض أن يفتح ذلك الباب أمام مغادرته المؤسسة السجنية، غير أن قضية أخرى حالت دون الإفراج عنه.
وفي 8 أبريل 2026، أيدت محكمة الاستئناف بالرباط حكماً يقضي بسجنه خمس سنوات نافذة في القضية التي أعيد النظر فيها بعد قرار سابق لمحكمة النقض.
وهكذا، وجد زيان نفسه أمام استمرار للاعتقال بعد أن كان ينتظر أن تنتهي عقوبته السابقة.
وبالنسبة إلى أسرته ودفاعه، فإن استمرار الوضع بهذه الصورة يطرح سؤالاً حول جدوى إبقاء رجل في هذا العمر خلف القضبان، خصوصاً مع وجود وضع صحي يستدعي، بحسب الأسرة، رعاية أكثر ملاءمة.
دفاع زيان: استمرار الاعتقال كان موضع طعن
ولم تكن المطالبة بالإفراج عن زيان وليدة الأزمة الصحية الأخيرة.
ففي يونيو الماضي، تقدم دفاعه بطلب للسراح المؤقت أمام محكمة الاستئناف بالرباط، واستند الدفاع، وفق ما أوردته تقارير صحفية، إلى دفوع قانونية مرتبطة بمسطرة إصدار الأحكام، كما أثار مسألة استمرار الاعتقال في ظل ما اعتبره إشكالات مسطرية.
لكن المحكمة رفضت طلب الإفراج المؤقت في يونيو.
وهكذا يستمر زيان في السجن، فيما يستمر معه الجدل القانوني والحقوقي حول وضعه.
الإفراج عن زيان.. مطلب إنساني قبل أن يكون سياسيا
محمد زيان رجل في الرابعة والثمانين. وإذا كانت أسرته تحذر من تدهور وضعه الصحي، وإذا كانت إدارة السجن نفسها تقر بأنه يخضع لعشرات الاستشارات والفحوصات، وإذا كان الخلاف قد وصل إلى حد رفضه الخروج إلى المستشفى بسبب طريقة نقله، وإذا كانت قضية التغذية والعقوبات التأديبية أصبحت بدورها جزءا من النزاع، فإن الاستمرار في الاكتفاء بالبيانات المتبادلة لم يعد حلا.
المطلوب هو إنهاء هذه المعاناة. والمخرج الأكثر إنسانية، في نظر أسرته وعدد من المطالبين بالإفراج عنه، هو إطلاق سراح محمد زيان وتمكينه من قضاء ما تبقى من عمره بين أفراد أسرته، وتلقي العلاج في ظروف تحفظ له كرامته.
وفي حالة رجل بلغ 84 عاما، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل الأسئلة الأخرى هو هل ما زال هناك ما يبرر إبقاء محمد زيان خلف القضبان، أم أن الوقت قد حان لاتخاذ قرار إنساني بالإفراج عنه؟
إن الإفراج عنه اليوم لن يمحو حكما قضائيا، ولن يلغي نقاشا قانونيا، ولن يمنع الدولة من تطبيق القانون.
لكنه قد يكون في المقابل، قرارا إنسانيا يعيد إلى رجل مسن ومريض حقه في أن يعيش ما تبقى من حياته إلى جانب أسرته، بعيدا عن السجن والمرض والخوف من تدهور صحته.
