- عماد العتابي
لم تعد الانتخابات في المغرب تفاجئ أحدا. المفاجأة الحقيقية أصبحت هي معرفة متى ستظهر الأسماء التي أُعدت للمرحلة المقبلة، ومتى سيُرفع الستار عن الحزب الذي سيُطلب منه أن يقدم نفسه باعتباره اختيار الصناديق.
اليوم يظهر فوزي لقجع في واجهة حزب الأصالة والمعاصرة. البعض يريد أن يقدم الأمر باعتباره تحولا عاديا في المسار السياسي لرجل “نجح” في الإدارة والرياضة، لكن قراءة المشهد خارج منطق التطبيل تطرح سؤالا آخر؛ عن كيفية تحول بعض الشخصيات من مواقع داخل الدولة إلى واجهة حزبية في اللحظة التي تحتاج فيها الخريطة السياسية إلى إعادة ترتيب؟
المشكلة ليست في لقجع كشخص. فالأشخاص في النهاية مجرد أدوات داخل منظومة أكبر منهم. المشكلة في طريقة صناعة النخب نفسها. في المغرب لا تبدأ صناعة السياسي دائما من الحي أو الجامعة أو التنظيم الحزبي أو النضال الاجتماعي، بل كثيرا ما تبدأ من مواقع النفوذ، ثم يأتي الحزب لاحقا ليمنح هذه النخبة غطاء انتخابيا.
هذه هي حقيقة الأزمة السياسية في المغرب، أحزاب كثيرة لا تصنع قادتها بل تنتظر ما يصنعه المخرن خارجها. ولا تبني مشروعا ثم تبحث عن من يحمله، بل تبحث عن الاسم الذي يمنحها فرصة البقاء في المقدمة.
المخزن لم يحتج يوما إلى إلغاء الانتخابات. كان أكثر ذكاء من ذلك. ترك الشكل الديمقراطي قائما، لكنه حافظ على القدرة على التحكم في قواعد اللعبة، وعلى اختيار نوعية النخب القادرة على التحرك داخلها. فالتحكم لا يكون دائما بمنع المنافسة، بل أحيانا بصناعة شروطها.
لهذا فإن السؤال في انتخابات 2026 ليس فقط من سيفوز؟ بل من تم تجهيزه لكي يفوز؟ ومن دخل السباق قبل أن تبدأ صافرة البداية؟
لقد عشنا هذا السيناريو مرارا. أحزاب تظهر فجأة بقوة ووجوه تقدم باعتبارها رجال المرحلة، وخطابات تتحدث عن التغيير، ثم ينتهي الأمر باكتشاف أن ما تغير هو العنوان فقط، أما قواعد اللعبة فبقيت كما هي.
لقجع اليوم ليس سوى حلقة جديدة في مسلسل طويل من تدوير نخب المخزن. رجل يأتي من موقع قوي داخل مؤسسات الدولة، ثم يدخل إلى حزب يراد له أن يكون في المقدمة. إنها ليست قصة شخص واحد، بل قصة نظام سياسي ما زال يجد صعوبة في قبول أن تأتي النخبة من أبناء الشعب ومن انتخابات حقيقبة ونزيهة…
أما الانتخابات، فإنها بالنسبة لكثير من المغاربة لم تعد لحظة اختيار حقيقية، بل لحظة إعلان عن ترتيب تم الإعداد له مسبقا. فالصناديق موجودة وبكثرة، لكن هل هذه الصناديق تصنع القرار والفائز أم تمنحه فقط شرعية الوصول؟
قد يصبح لقجع رئيس الحكومة المقبلة، وقد لا يصبح. لكن المؤكد أن حضوره اليوم يكشف أزمة أكبر من شخصه، أزمة بلد ما زال فيه الحزب يحتاج إلى تأشيرة من الدولة المخزن أكثر مما يحتاج إلى مشروع، ومازالت فيه الانتخابات عاجزة عن إنتاج مفاجأة حقيقية.
المشكلة ليست في من يجلس على كرسي رئاسة الحكومة. بل في من يملك مفاتيح الطريق المؤدي إلى ذلك الكرسي.
