- سعيد الفارسي
أكثر من 100 حالة وفاة نتيجة أحداث سبتة الأليمة، ومع ذلك لا الحكومة قدمت استقالتها، ولا جهاز المخزن تحمّل مسؤوليته، كما أن المنظمات الحقوقية والمجتمع المدني المغربي، في عمومه، لم يحركوا ساكنا. كل ما صدر هو بعض البيانات المحتشمة وضعيفة المستوى في إدانتها للوقائع، دون تحديد المسؤوليات أو المطالبة بتقصي الحقائق.
الكل ينتظر الكل من أجل لا شيء، بينما أُزهقت أرواح شباب كانوا ضحايا للسياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالمغرب. وكأن الإنسان المغربي لا يساوي شيئا في ميزان العدالة الاجتماعية، ولا يحتل أي قيمة في بورصة الاهتمام بالكرامة الإنسانية.
في المقابل، تحركت وسائل الإعلام الإسبانية والمجتمع المدني الإسباني بقوة لكشف الصورة الحقيقية لما حدث. وبين ما هو صائب وما هو باطل في تلك التغطيات، فإن أغلبها يجمع على أن النظام المغربي يستغل ملف الهجرة من أجل فرض ضغوطات على إسبانيا، بمباركة النظام الإسرائيلي والأمريكي.
لقد أصبحت صورة المغرب، والإنسان المغربي، في الإعلام الدولي، أضحوكة ومأساة وتراجيديا في الوقت نفسه، بعد الانتشار الواسع والمهول للصور والفيديوهات التي توثق غرق الأطفال والنساء والشباب في البحر وهم يحاولون العبور إلى المجهول. إلى درجة أن بعض التحليلات الصحفية، خاصة على المستوى الأوروبي والإسباني، وصفت ما حدث بأن النظام المخزني يستخدم المعاناة الإنسانية كأداة للمفاوضات الدبلوماسية والجيوسياسية.
ولا تقف تداعيات هذه الأحداث عند هذا الحد، بل ستترتب عنها في تقديري، آثار اجتماعية خطيرة، من بينها تزايد العنصرية تجاه المغاربة، ودفعهم لضريبة غالية، خصوصا في ظل أزمة السكن بإسبانيا، مع تصاعد مظاهر التمييز الممنهج والعنصرية الخفية. فالمهاجرون المغاربة يواجهون أصلا صعوبات مضاعفة في الحصول على سكن لائق بسبب الصور النمطية السلبية التي تُرسم عن الإنسان المغربي، ومن شأن مثل هذه الأحداث أن تعمق تلك الصورة أكثر.
خلاصة القول، إن التبذير والإنفاق المالي للمغرب بالمليارات من أجل تحسين صورته الخارجية وتعزيز علاقاته الدبلوماسية، ذهب بين عشية وضحاها في خبر كان. فقد كان وجود الآلاف المؤلفة من الشباب المغربي على حدود سبتة كافيًا لكشف حقيقة الواقع المغربي المر والمأساوي أمام العالم.
ولعل ما يؤكد حجم هذا الواقع، نتائج استطلاع حديث أجرته بوابة التوظيف Rekrute.com، حيث رصد أن 91 % من المغاربة مستعدون لمغادرة المغرب والاستقرار في الخارج. كما أفاد الاستطلاع بأن الشباب المغربي، أقل من 35 سنة، بنسبة 66 %، يرغبون في مغادرة المغرب في أقرب فرصة من أجل تحسين ظروف العمل، بينما أكد 56 % منهم أن هدفهم هو ضمان جودة عيش وبيئة عمل أفضل.
إن هذه الأرقام ليست مجرد مؤشرات إحصائية، بل تعكس حجم الإحباط الذي يعيشه جزء واسع من الشباب المغربي، وتطرح سؤالا جوهريا حول قيمة الإنسان المغربي داخل وطنه، وحول قدرة السياسات العمومية على توفير الكرامة والعدالة الاجتماعية والأمل في المستقبل.
