تقرير – الرباط
في الوقت الذي كانت فيه عشرات العائلات المغربية تنتظر خبرا عن أبنائها المفقودين، وفي لحظة لا تزال فيها البلاد تحت وقع واحدة من أكثر مآسي الهجرة دموية في تاريخها الحديث، غادر رئيس الحكومة عزيز أخنوش المغرب على متن طائرة خاصة متوجها إلى جزيرة مايوركا الإسبانية لقضاء عطلته الصيفية، في خطوة فتحت الباب أمام موجة واسعة من الانتقادات بشأن توقيتها ورمزيتها السياسية.
فالمسألة لا تتعلق بحق رئيس الحكومة في الاستفادة من عطلته السنوية، وإنما بالسياق الذي اختار فيه مغادرة البلاد. فالمغرب يعيش منذ أيام على وقع أزمة غير مسبوقة بعد الأحداث التي شهدها محيط سبتة، والتي خلفت وفق حصيلة أولية تقارب 100 ضحية وعشرات المفقودين، بينما لا تزال عائلات بأكملها تبحث عن مصير أبنائها في ظل شح المعلومات الرسمية.
غياب في لحظة الأزمة
بدل أن تشكل المأساة مناسبة لحضور سياسي قوي، عبر الإشراف المباشر على تدبير الأزمة أو مخاطبة الرأي العام، اختار رئيس الحكومة مغادرة البلاد، وهو ما اعتبره متابعون رسالة سياسية سلبية في ظرف استثنائي يحتاج إلى حضور الدولة بمختلف مؤسساتها.
وتزداد حدة الانتقادات بالنظر إلى أن الحكومة لم تُكلِّف نفسها عناءَ التواصل مع الشعب المغربي، ولم تقدم إلى حدود الساعة، رواية متكاملة حول ما جرى، كما لم تعلن عن إجراءات استثنائية أو نتائج أولية لأي تحقيق يحدد المسؤوليات أو يجيب عن الأسئلة التي يطرحها الرأي العام.
السياسة ليست إدارة فقط
في الأنظمة الديمقراطية، لا تُقاس المسؤولية السياسية بالقرارات الإدارية وحدها، بل أيضا بالحضور في لحظات الأزمات. فالكوارث الوطنية غالبا ما تدفع رؤساء الحكومات إلى تعليق عطلهم وبرامجهم الخاصة، والعودة لقيادة مؤسسات الدولة، والوقوف إلى جانب المتضررين، وإرسال رسالة مفادها أن الدولة حاضرة في أصعب اللحظات.
أما في الحالة المغربية، فقد جاءت الصورة معاكسة؛ رئيس الحكومة يغادر البلاد بينما لا تزال الأزمة في ذروتها، ولا تزال عائلات الضحايا تنتظر الحقيقة، ولا يزال الغموض يلف الحصيلة النهائية للقتلى والمفقودين.
صورة تربك الحكومة
سياسيا، قد لا تكون كلفة السفر مرتبطة بالعطلة نفسها، بل بالصورة التي يتركها هذا القرار لدى الرأي العام. ففي لحظة يطغى فيها الحزن والغضب والأسئلة، بدا أن السلطة التنفيذية غائبة عن المشهد، الأمر الذي يعمق الانطباع بوجود فجوة بين مؤسسات الحكم والمجتمع في التعاطي مع الأزمات الكبرى.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه مطالب الجمعيات الحقوقية والقوى التقدميوطة والمعارضة بفتح تحقيقات مستقلة لكشف ملابسات ما جرى في محيط سبتة، وتحديد المسؤوليات، والإعلان عن الحصيلة الرسمية للضحايا، وضمان حق العائلات في معرفة مصير أبنائها.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه هل كان من الملائم سياسيا أن يغادر رئيس الحكومة المغرب لقضاء عطلة خاصة، بينما البلاد تعيش على وقع مأساة إنسانية بهذا الحجم؟ وهل نجحت الحكومة في إرسال الرسالة التي كان ينتظرها المغاربة في لحظة اختلط فيها الحزن بالغضب، أم أن الغياب عزز الشعور بغياب القيادة السياسية في واحدة من أكثر المحطات حساسية خلال السنوات الأخيرة؟
