تحقيق – سبتة
لم تكن أزمة سبتة مجرد موجة هجرة غير نظامية عابرة، ولا مجرد مشهد حدودي انتهى بانسحاب المهاجرين من المدينة. ما حدث خلال تلك الأيام يكشف عن مسار معقد تشابكت فيه العوامل الاجتماعية والأمنية والسياسية، وطرح أسئلة تتجاوز لحظة العبور نفسها إلى ما سبقها وما تلاها.
فخلف صور آلاف الشباب والقاصرين والعائلات وهم يتجهون نحو الحدود، توجد أسئلة حول كيفية تشكل هذه الحشود، وكيف أصبح هذا العدد الكبير من الأشخاص على علم بموعد التحرك، ولماذا اختارت السلطات المغربية طريقة مختلفة في التعامل مع هذه الموجة مقارنة بمحطات سابقة كانت فيها القوات العمومية تتدخل قبل وصول المهاجرين إلى محيط الحدود.
لكن السؤال الأكثر إثارة للجدل لا يرتبط فقط بكيفية الوصول إلى سبتة، بل بما حدث بعد ذلك؛ كيف تحولت المدينة خلال ساعات إلى ورش كبير لإخلاء المهاجرين وإعادتهم إلى الجانب المغربي؟
من الحشد إلى العبور.. أسئلة حول ما قبل لحظة الانفجار

شهدت منطقة الفنيدق خلال تلك الفترة تجمعا بشريا غير مسبوق، ضم شبابا وقاصرين وعائلات قدموا من مناطق مختلفة، في اتجاه واحد نحو معبر سبتة.
هذا الحجم من التحرك الجماعي أعاد طرح سؤال أساسي حول طبيعة المعلومات التي وصلت إلى هؤلاء الأشخاص، وكيف انتشرت الدعوات إلى التوجه نحو الحدود في توقيت متقارب.
مصادر وشهود تحدثوا إلى منصة “صدى الحقيقة” قدموا روايات تفيد بأن عددا من الأشخاص لم يصلوا إلى المنطقة بشكل عفوي، بل تلقوا معلومات مسبقة حول موعد التحرك.
وحسب شهادة أسرة من مدينة العرائش للمنصة ومرشحين آخرين للهجرة، فإن أشخاصا تربطهم علاقات مع السلطات والمخابرات المغربية تواصلوا معهم وسألوهم عن إمكانية التفكير في الهجرة، قبل اقتراح تاريخ محدد للتوجه نحو منطقة العبور.
هذه الشهادات تفتح باب التحقيق حول مرحلة ما قبل العبور؛ فهل كان الأمر مجرد انتشار لشائعات بين الراغبين في الهجرة؟ أم أن هناك جهات رسمية كانت على علم مسبق بحجم التحرك وتوقيته؟
مرحلة ما بعد العبور.. الوجه الآخر للأزمة
إذا كانت لحظة دخول المهاجرين إلى سبتة هي الصورة التي شاهدها العالم، فإن ما حدث داخل المدينة بعد ذلك يمثل الجانب الأقل ظهورا والأكثر خطرا وإثارة للأسئلة.
فبعد وصول أزيد من 60 ألف مغربي إلى داخل سبتة، بدأت مرحلة مختلفة تماما عنوانها: إخلاء المدينة من الوافدين.
مصادر منصة “صدى الحقيقة” من داخل سبتة تقول إن عملية الإخلاء لم تعتمد فقط على الإجراءات الرسمية للسلطات الإسبانية، بل شهدت أيضا حضور أشخاص مغاربة من أبناء المدينة، تقول المصادر إن لهم علاقات مع جهات أمنية مغربية.
وحسب هذه المصادر، فإن هؤلاء الأشخاص لعبوا دورا ميدانيا في البحث عن المهاجرين داخل المدينة، وتتبع أماكن وجودهم، والمساهمة في دفعهم نحو الخروج وإعادتهم إلى الحدود.
وتقول المصادر إن تحركات هؤلاء الأشخاص لم تكن عشوائية، بل كانت تتم بطريقة توحي بوجود معرفة مسبقة بالمهام المطلوبة منهم، وبطبيعة العملية الجارية على الأرض.

كما تشير المصادر إلى أن عددا من المهاجرين تعرضوا خلال هذه المرحلة لاعتداءات وممارسات عنيفة، وأن بعض الشباب المغاربة الذين تمكنوا من الوصول إلى سبتة واجهوا مطاردات داخل المدينة انتهت بإصابات وسقوط ضحايا على يد هذه العناصر الإسبانية/المغربية المتعاونة مع المخابرات المغربية.
عناصر غير رسمية (يشتغلون لصالح المخابرات المغربية) داخل سبتة.. سؤال الدور والارتباطات
الجانب الأكثر حساسية في هذه المرحلة هو طبيعة الدور الذي لعبه هؤلاء الأشخاص الذين تتحدث عنهم مصادر التحقيق.

ففي الأزمات الحدودية عادة تكون الأطراف واضحة؛ أجهزة أمنية رسمية وقرارات حكومية، وإجراءات قانونية معلنة. لكن الروايات التي وصلت إلى “صدى الحقيقة” تتحدث عن فاعلين يتحركون خارج الزي الرسمي، لكنهم ـ حسب المصادر ـ يمتلكون قدرة على الوصول والتحرك والتأثير.
وتقول المصادر إن عددا من هؤلاء الأشخاص من أبناء سبتة المعروفين بعلاقاتهم مع جهات أمنية مغربية، وإن مشاركتهم في عملية الإخلاء كانت جزءا من آلية معقدة هدفها إنهاء وجود المهاجرين داخل المدينة بتنسيق كامل مع المخابرات المغربية، بعد اكتمال مرحلة العبور وتحقيق الأهداف السياسية.
فهل كانت عملية إفراغ سبتة مجرد رد فعل أمني بعد وقوع الأزمة؟ أم أنها كانت مرحلة ثانية من تدبير محكم بدأ قبل العبور وانتهى بإعادة معظم من تمكنوا من الدخول؟
فيديو والي أمن تطوان.. جدل حول طبيعة التعليمات
ضمن المعطيات التي أثارت نقاشا واسعا، ظهر تسجيل مصور لوالي أمن تطوان خلال فترة الأزمة، وهو يتحدث مع عدد من معاونيه ومتعاونين مع الأجهزة الأمنية حول طريقة التعامل مع الوضع.
وحسب مضمون التسجيل المتداول، دار نقاش حول ضرورة إفراغ سبتة من الأشخاص الذين تمكنوا من الوصول إليها، وعندما طرح أحد الحاضرين سؤالا حول الفئات التي يشملها الأمر، جاء الرد بما يفيد شمول “الكبار والصغار”.
هذا المقطع يؤكد بما لا يدع مجالا للشك، أن المخابرات المغربية ساعدت في إخلاء المهاجرين المغاربة من سبتة، وأيضا فتح نقاشا حقوقيا واسعا، خصوصا فيما يتعلق بوضعية القاصرين الذين كانوا ضمن الوافدين إلى المدينة.
كما أعاد طرح سؤال آخر حول طبيعة الأشخاص الذين ظهروا إلى جانب المسؤول الأمني، والأدوار التي كانوا يقومون بها خلال إدارة الأزمة.
بين الرباط ومدريد.. هل تحولت الهجرة إلى ورقة سياسية؟
أزمة سبتة تأتي في سياق طويل من التوترات المرتبطة بملف الهجرة بين المغرب وإسبانيا.
فالحدود بين البلدين لم تعد مجرد منطقة عبور، بل تحولت خلال السنوات الماضية إلى مساحة تختلط فيها الحسابات الأمنية بالمصالح السياسية.
وفي محطات سابقة، ارتبطت أزمات الهجرة بتوترات دبلوماسية بين الرباط ومدريد، ما جعل ملف الحدود والهجرة أحد أدوات الضغط المتبادلة.
ومن هنا يطرح التحقيق سؤالا أكبر؛ هل كانت أزمة سبتة مجرد نتيجة طبيعية للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها جزء من الشباب المغربي؟
أم أنها تداخلت مع حسابات سياسية وأمنية تتجاوز قضية الهجرة نفسها؟
خلفية سياسية أوسع.. عندما تتحول الهجرة إلى أداة ضغط على حكومة سانشيز
ولا يمكن فهم ما حدث في سبتة بمعزل عن السياق السياسي الذي أحاط بالأزمة، حيث يرى متابعون أن التدفق البشري غير المسبوق لم يكن مجرد نتيجة طبيعية لضغوط الهجرة والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، بل جاء في إطار سياق سياسي أكثر تعقيدا، تحولت فيه ورقة الهجرة إلى عنصر ضغط في العلاقة بين الرباط ومدريد.
وبحسب هذا التحليل، فإن السلطات المغربية، باعتبارها الطرف القادر ميدانيا على التحكم في حركة العبور نحو الحدود الشمالية، كانت تدرك أن أي تدفق جماعي نحو سبتة ستكون له تداعيات سياسية وأمنية داخل إسبانيا، خصوصا على حكومة بيدرو سانشيز اليسارية التي وجدت نفسها أمام أزمة داخلية وضغط متزايد من المعارضة والتيارات اليمينية التي تجعل من ملف الهجرة أحد أبرز عناوينها السياسية.
وتذهب هذه القراءة إلى أن أزمة سبتة وضعت حكومة سانشيز في موقف حرج، بعدما تحولت الحدود إلى ساحة مواجهة سياسية داخلية، وأصبحت الحكومة مطالبة بتقديم أجوبة حول قدرتها على ضبط الحدود الأوروبية والتعامل مع تدفقات بشرية غير مسبوقة.
كما تربط هذه المعطيات بالسياق الدبلوماسي الأوسع للعلاقات المغربية الإسبانية، حيث ظلت قضية الصحراء الغربية أحد الملفات الأكثر حساسية بين البلدين، إلى جانب التحولات الإقليمية والدولية المرتبطة بتوازنات شمال إفريقيا والمتوسط.
وفي هذا الإطار، يرى بعض المحللين أن استخدام ملف الهجرة لا يمكن فصله عن صراع النفوذ والمصالح بين الدول وبالخصوص الحضور الأمريكي والاسرائيلي في صراع أوسع حول المضائق المائية، حيث تتحول الحدود والممرات البشرية إلى أدوات تفاوض وضغط ضمن حسابات سياسية وجيوسياسية أكبر من قضية الهجرة نفسها.
غير أن الثمن الأكبر لهذه الحسابات يبقى من نصيب المهاجرين أنفسهم، الذين يجدون أنفسهم في قلب صراعات سياسية لا يملكون فيها قرارا، بعدما تحولت مأساتهم الإنسانية إلى ورقة داخل مواجهة تتجاوز حدود رحلتهم نحو الضفة الأخرى من المتوسط.
البعد الحقوقي.. عندما يصبح المهاجر ورقة في صراع الدول
المنظمات الحقوقية اعتبرت أن ما حدث في سبتة ومليلية يعكس أزمة أعمق في طريقة تعامل الدول مع ملف الهجرة.
الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، عبر فروعها على ضفتي البحر الأبيض المتوسط، اتهمت السلطات المغربية والإسبانية باستغلال ملف الهجرة لتحقيق مكاسب سياسية، وطالبت بفتح تحقيقات مستقلة حول الوفيات والانتهاكات التي رافقت محاولات العبور.
كما انتقدت عمليات الإرجاع الجماعي للمهاجرين، معتبرة أن التعامل الأمني طغى على المقاربة الحقوقية، خصوصا فيما يتعلق بطالبي اللجوء والقاصرين.
من يتحمل مسؤولية ما حدث؟
أزمة سبتة لم تكن فقط قصة آلاف الأشخاص الذين حاولوا الوصول إلى أوروبا، بل قصة منظومة كاملة تداخلت فيها الهجرة مع الأمن والسياسة والعلاقات الدولية.
وبين شهادات المهاجرين، وروايات المصادر داخل سبتة، والمواقف الرسمية، تبقى أسئلة جوهرية تنتظر الإجابة:
من كان يعلم بحجم التحرك قبل وقوعه؟
كيف تم الانتقال من مرحلة العبور إلى مرحلة الإخلاء؟
ومن هم الأشخاص الذين شاركوا في إخراج المهاجرين من داخل سبتة؟
وهل كان ما حدث مجرد أزمة حدودية، أم حلقة ضمن حسابات أكبر؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل من مأساة سبتة أكثر من مجرد ملف هجرة؛ إنها اختبار لطريقة إدارة الدول للإنسان عندما يتحول إلى رقم داخل معادلات السياسة والأمن.
