- إلياس المرابط
لم يعد من المقبول أن تستمر الحكومة في تفسير غلاء المعيشة في المغرب بالظروف الدولية وتقلبات الأسواق العالمية والجفاف وارتفاع تكاليف النقل، وكأن هذه العوامل وحدها تفسر الأعباء الاقتصادية والاجتماعية التي تتحملها الأسر المغربية. فهذه العوامل، مهما كانت أهميتها، لا تعفي الدولة من مسؤولية اختياراتها الاقتصادية، ولا تبرر قصور السياسات العمومية في حماية القدرة الشرائية وضمان نزاهة الأسواق.
إن السؤال الحقيقي لم يعد فقط لماذا ترتفع الأسعار، بل لماذا لم تنجح الدولة، رغم ما تتوفر عليه من سلطات تشريعية وتنظيمية ورقابية، في بناء سوق تضمن منافسة فعلية وتحمي المستهلك من الاختلالات البنيوية؟ وما قيمة تحرير الأسعار إذا لم تتحرر المنافسة، وظلت بعض الأسواق محكومة بالتمركز الاقتصادي وحواجز الدخول والامتيازات التي تحد من تكافؤ الفرص؟
لقد اختارت الدولة المغربية توسيع مجال المبادرة الخاصة وتقليص تدخلها المباشر في تحديد الأسعار، وقدمت هذا التوجه باعتباره مدخلاً لتحسين الكفاءة الاقتصادية وتشجيع الاستثمار. غير أن هذا الاختيار لم يصاحبه، بالقدر الكافي، بناء منظومة رقابية قادرة على ضمان انتقال فوائد المنافسة إلى المستهلك. وهنا تكمن المفارقة: تحررت الأسعار، لكن المنافسة لم تتحرر بالقدر نفسه، وأصبحت الدولة مطالبة بتفسير حدود مسؤوليتها عن نتائج سوق ساهمت في إعادة تنظيم قواعد اشتغالها.
وتكشف المؤشرات الاقتصادية عن مفارقة واضحة بين الأداء الكلي والواقع الاجتماعي. فقد سجل الاقتصاد المغربي نمواً بنسبة 4.9% سنة 2025، مقابل 4.4% سنة 2024، مدفوعاً أساساً بانتعاش القطاع الفلاحي بنسبة 8.2%. كما لم يتجاوز متوسط التضخم 0.8% خلال السنة نفسها. غير أن هذه المؤشرات لا تعني بالضرورة تحسناً مماثلاً في مستوى معيشة المواطنين؛ فانخفاض التضخم لا يعني انخفاض الأسعار، بل تباطؤ وتيرة ارتفاعها، بينما تظل الأسر تتحمل آثار الزيادات المتراكمة خلال السنوات السابقة.
وتزداد هذه المفارقة وضوحاً عند النظر إلى معطيات سبتمبر 2026، حيث بلغ التضخم السنوي 0.5%، مقابل ارتفاع أسعار المواد غير الغذائية بنسبة 2.8% وأسعار النقل بنسبة 9.4%. كما سجلت الأسعار الغذائية ارتفاعاً شهرياً بنسبة 1.6%. وهذه الأرقام تؤكد أن المتوسط العام للتضخم لا يعكس بالضرورة الأعباء التي تتحملها الأسر، خصوصاً ذات الدخل المحدود، والتي تخصص الجزء الأكبر من مواردها للحاجيات الأساسية.
ولا يمكن فصل هذه الوضعية عن اختلالات سوق الشغل. فرغم إحداث 193 ألف منصب شغل سنة 2025، ظلت بطالة الشباب مرتفعة، كما سجلت معطيات الربع الثالث من 2026 معدل بطالة بلغ 10.5%، ومعدلاً مركباً لنقص استخدام اليد العاملة بلغ 19.6%. ويطرح ذلك سؤالاً جوهرياً حول القيمة الاجتماعية للنمو الاقتصادي إذا لم ينعكس بصورة كافية على فرص الشغل المستقر والدخل والقدرة الشرائية.
إن المشكلة لا تكمن في اقتصاد السوق في حد ذاته، بل في طبيعة الشروط التي تنظم اشتغاله. فالمنافسة لا تتحقق بمجرد رفع القيود الإدارية، وإنما تتطلب تعدد الفاعلين، وتكافؤ فرص الولوج إلى الأسواق، وشفافية المعلومات، ومؤسسات قادرة على مواجهة التمركز والممارسات المنافية للمنافسة.
وفي هذا السياق، يبرز اقتصاد الريع باعتباره أحد المداخل الأساسية لفهم الاختلالات الاقتصادية. فالريع لا يعني مجرد تحقيق أرباح مرتفعة، بل يرتبط بالعوائد الناتجة عن مواقع امتيازية أو حواجز دخول أو حماية مؤسساتية تسمح لبعض الفاعلين بتحقيق مكاسب لا تفسرها بالضرورة الإنتاجية أو الابتكار أو تحمل المخاطر. ومن ثم، فإن مساءلة النموذج الاقتصادي المغربي تقتضي البحث في مدى مساهمة بعض الامتيازات والاختلالات التنظيمية في إعادة إنتاج تفاوت الفرص وتراكم الثروة.
وتشكل سوق المحروقات مثالاً واضحاً على ضرورة هذه المساءلة. فالمحروقات ليست مجرد سلعة تجارية، بل مدخل أساسي في تكاليف الإنتاج والنقل والتوزيع، وأي اختلال في سوقها ينتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والخدمات.
وتفيد معطيات مجلس المنافسة المتعلقة بالفصل الرابع من سنة 2025 بأن متوسط الهامش التجاري الخام المرجح لدى شركات التوزيع التسع المعنية بالتتبع بلغ 1.23 درهم للتر بالنسبة للغازوال و1.85 درهم بالنسبة للبنزين. ولا تمثل هذه الهوامش صافي الأرباح، ولا تثبت وحدها وجود احتكار، لكنها تطرح ضرورة الشفافية بشأن مكونات الأسعار والتكاليف والعوائد التجارية.
كما أن قرار مجلس المنافسة الصادر في نونبر 2023، والمتعلق بالممارسات المنافية للمنافسة في سوق المحروقات، وما ترتب عنه من اتفاقات تسوية مع تسع شركات وتنظيمها المهني بمبلغ إجمالي تجاوز 1.84 مليار درهم، يؤكد أن المخاوف المرتبطة بنزاهة المنافسة في هذا القطاع ليست مجرد افتراضات نظرية.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يواجه الحكومة هو: ما مدى فعالية الإجراءات التي اتخذتها لضمان عدم تكرار هذه الاختلالات؟ ولماذا لا تتوفر السوق على مستوى كافٍ من الشفافية يسمح للمستهلك بفهم كيفية انتقال تغيرات الأسعار الدولية إلى الأسعار المحلية؟
ولا يقل ملف مصفاة سامير أهمية عن ذلك، بالنظر إلى ارتباطه بالأمن الاقتصادي والطاقي للمغرب. فتوقف نشاط التكرير المحلي عزز الاعتماد على استيراد المنتجات المكررة، وأعاد طرح سؤال قدرة الدولة على حماية المصالح الاستراتيجية للبلاد. ومن حق الرأي العام أن يتساءل عن أسباب استمرار عدم الحسم في مستقبل هذه المنشأة، وعن كلفة استمرار التبعية الخارجية، وعن غياب رؤية واضحة بشأن الخيارات الممكنة. ولا يعني ذلك أن إعادة تشغيل المصفاة ستؤدي تلقائياً إلى انخفاض الأسعار، وإنما أن امتلاك قدرات وطنية للتكرير والتخزين يمكن أن يوفر هامشاً إضافياً لمواجهة الصدمات الخارجية.
وفي القطاع الفلاحي، تبرز بدورها مسؤولية الدولة في تحقيق التوازن بين مصالح التصدير وحاجيات السوق الداخلية. فتطوير الصادرات الفلاحية يمثل مكسباً اقتصادياً مهماً، لكنه لا ينبغي أن يتم بمعزل عن الأمن الغذائي واستقرار أسعار المنتجات الأساسية. كما أن ارتفاع أسعار الخضر والفواكه يستدعي مساءلة بنية أسواق الجملة، وتعدد الوسطاء، وضعف التخزين، واختلالات التوزيع، بدلاً من الاكتفاء بإرجاع كل الزيادات إلى الجفاف أو ارتفاع تكاليف المحروقات.
وفي مواجهة هذه الاختلالات، اعتمدت الدولة برامج للدعم الاجتماعي المباشر والدعم القطاعي، خصوصاً لفائدة مهنيي النقل. وهي تدخلات ينبغي الاعتراف بأهميتها، لكن تقييمها لا يجب أن يتوقف عند حجم الأموال المرصودة وعدد المستفيدين، بل يجب أن يمتد إلى قياس أثرها الفعلي على القدرة الشرائية وتكاليف المعيشة. فالدعم العمومي لا ينبغي أن يتحول إلى آلية دائمة لامتصاص نتائج الاختلالات الاقتصادية دون معالجة أسبابها البنيوية.
ولا يمكن إنكار تأثير التوترات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق الدولية في الأسعار، لكن هذه العوامل لا تفسر وحدها حجم التأثر الداخلي. فمسؤولية الدولة تشمل أيضاً الاستعداد للصدمات، وتنويع مصادر التزود، وتعزيز المخزونات الاستراتيجية، وتحسين البنيات اللوجستية. ومن غير المقبول أن تتحول العوامل الخارجية إلى مبرر دائم لتجنب مساءلة السياسات الوطنية عن نتائجها.
إن المطلوب ليس العودة إلى التسعير الإداري أو مصادرة المبادرة الخاصة، بل الانتقال إلى دولة تنظيمية قوية تضمن المنافسة وتحمي المستهلك. وهذا يقتضي تقوية مؤسسات المنافسة، وتعزيز شفافية مكونات الأسعار، ومواجهة الامتيازات غير التنافسية، وتسهيل دخول فاعلين جدد إلى الأسواق، وإخضاع الدعم العمومي لتقييم دوري قائم على النتائج.
إن غلاء المعيشة في المغرب يكشف عن فجوة بين خطاب رسمي يؤكد الاستثمار والانفتاح والتنافسية، وواقع اجتماعي تتزايد فيه صعوبة مواجهة تكاليف الحياة. ولا يمكن معالجة هذه الفجوة بالتواصل الحكومي أو بالتدخلات المالية الظرفية وحدها، بل تستوجب مراجعة نقدية للاختيارات الاقتصادية والمؤسساتية التي لم تنجح في ضمان توازن أكثر إنصافاً بين المصالح الاقتصادية والقدرة الشرائية للمواطنين.
لقد اختارت الدولة تحرير الأسواق وتوسيع مجال المبادرة الخاصة، لكنها لا تستطيع أن تتخلى عن مسؤوليتها في تنظيمها ومراقبتها. فحرية السوق لا تعني إعفاء الفاعلين الاقتصاديين من المساءلة، كما لا تعني أن يتحمل المواطن وحده كلفة الاختلالات التي لا يملك أدوات التأثير فيها.
إن السؤال الذي ينبغي أن يواجه صانع القرار المغربي ليس ما إذا كان التدخل في السوق سيؤثر في حرية المبادرة الخاصة، بل لماذا لم تنجح السياسات المعتمدة في ضمان منافسة حقيقية وتوزيع أكثر إنصافاً لمنافع النمو الاقتصادي؟ ولماذا تستمر بعض الاختلالات رغم وجود مؤسسات وقوانين يفترض أن تتصدى لها؟
فنجاح النموذج الاقتصادي لا يقاس فقط بمعدلات النمو وحجم الاستثمارات والمؤشرات المالية، بل بما يحدثه من تحسن فعلي في حياة المواطنين. والدولة التي تنجح في تحرير الأسعار دون أن تنجح في تحرير المنافسة، وتوسع مجال الاستثمار دون أن تضمن عدالة الفرص، مطالبة بمراجعة اختياراتها وتحمل مسؤوليتها السياسية والمؤسساتية عن نتائجها.
فالمشكلة ليست أن السوق أصبحت حرة أكثر مما ينبغي، بل أن الدولة لم تتحمل بالقدر الكافي مسؤولية تنظيم هذه الحرية وحماية المجتمع من اختلالاتها.
