سلا – المغرب
أعادت الجريمة المروعة التي راح ضحيتها الشاب ياسين، سائق تطبيق “إندرايف”، إلى الواجهة أسئلة مؤلمة حول واقع الأمن وتراجع القيم وتنامي مظاهر العنف والجريمة داخل المجتمع المغربي. فالقضية التي هزت الرأي العام، لا تبدو مجرد حادث إجرامي معزول، بل تعكس في نظر كثيرين مؤشرات مقلقة على أزمة اجتماعية وأخلاقية تتسع رقعتها عاما بعد آخر.
ووفق المعطيات التي كشفها محامي عائلة الضحية، فإن دائرة المتابعة القضائية اتسعت لتشمل تسعة أشخاص، كل حسب المنسوب إليه، من بينهم المتهم الرئيسي الذي يشتغل عسكريا، وخليلته الممرضة بإحدى المصحات الخاصة، إلى جانب عسكري آخر وخال المتهم الرئيسي وصديق له وسيدة وأصحاب مهن أخرى. ويكشف هذا العدد الكبير من المتورطين أو المساهمين في التستر على الجريمة عن حجم الصدمة التي خلفتها القضية لدى الرأي العام.
وتفيد المعطيات أن الجريمة بدأت باستدراج الضحية عبر تطبيق النقل، بعدما تلقى طلبا من سيدة نقلها إلى وجهة معينة. وعند ركوب السيارة جلست السيدة بجانب السائق، بينما جلس المتهم الرئيسي في الخلف متظاهرا بالإصابة في رجله. وفي منتصف الطريق، باغت الجاني الضحية من الخلف وقام بخنقه بواسطة حبل إلى أن فقد الوعي، قبل أن يستولي على هاتفه وسلسلته الذهبية وسيارته.
غير أن ما يجعل هذه القضية استثنائية في بشاعتها هو أن المتهم واصل تنقلاته بالسيارة وعلى متنها جثة الضحية، حيث نقل مرافقته إلى مدينة سلا قبل أن يتوجه نحو الدار البيضاء، فيما كانت الجثة لا تزال داخل المركبة. وتضيف المعطيات التي عرضها الدفاع أن المتهم شرع بعد ذلك في البحث عن وسائل للتخلص من الجثة، مستعينا بعدد من الأشخاص الذين علموا بالجريمة دون أن يبلغوا السلطات، بل إن بعضهم انخرط في محاولات التستر وطمس الأدلة، لتنتهي المأساة بإحراق جثة ياسين والتخلص منها بمنطقة أولاد عزوز بإقليم النواصر.
هذه التفاصيل الصادمة لا تعكس فقط وحشية الفعل الإجرامي، بل تثير تساؤلات جدية حول المناخ الاجتماعي الذي يسمح بتحول السرقة إلى قتل، والقتل إلى حرق للجثة، ثم إلى شبكة من المتدخلين الذين يختار بعضهم الصمت أو المشاركة بدل التبليغ عن الجريمة.
ومن هنا تبرز مسؤولية الدولة، ليس فقط في ملاحقة المجرمين وتقديمهم للعدالة، وإنما أيضا في معالجة الأسباب البنيوية التي تساهم في إنتاج مثل هذه الظواهر. فانتشار الجريمة والعنف لا ينفصل عن السياق الاقتصادي والاجتماعي العام، حيث تتسع الفوارق الطبقية وتتراجع فرص الشغل وتضعف الخدمات العمومية وتتآكل آفاق الصعود الاجتماعي أمام فئات واسعة من الشباب.
ويرى معارضو ومنتقدو السياسات العمومية أن النموذج الاقتصادي السائد، الذي يمنح الأولوية لتراكم الثروة في يد فئات محدودة من النخب الاقتصادية والمالية، ساهم في تعميق الإحساس بالتهميش وفقدان الثقة في المستقبل. وفي ظل هذا الواقع، تتراجع منظومات التضامن والتنشئة الاجتماعية لصالح قيم فردانية واستهلاكية قد تدفع بعض الأفراد إلى البحث عن الثراء السريع بأي وسيلة كانت.
كما أن تنامي مظاهر السرقة والنشل والاعتداءات والبلطجة والمخدرات في عدد من المدن والأحياء الشعبية لا يمكن عزله عن التراجع الملحوظ في الإحساس بالأمن لدى المواطنين. فالدولة التي تنفق موارد ضخمة على مشاريع استعراضية أو على حماية مصالح الأقلية النافذة مطالبة أيضا بضمان الأمن الاجتماعي والاقتصادي والثقافي باعتباره خط الدفاع الأول ضد الجريمة.
إن جريمة ياسين ليست فقط ملفا جنائيا معروضا أمام القضاء، بل هي مرآة تعكس اختلالات عميقة يعيشها المجتمع المغربي. ولذلك فإن الاقتصار على العقاب رغم ضرورته، لن يكون كافيا ما لم يرافقه نقاش جدي حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي أنتجت بيئة تتنامى فيها مشاعر الإقصاء واليأس والتفكك القيمي.
