- عماد العتابي
على خلفية التصريحات التي أعادت إشعال الجدل حول “التهركاويت”، خصوصا بعد حديث “حسن الفذ” الذي بنى مجده وثروته على ظهر الذين يصفهم بـ “الهركاويين” في أحد لقاءات معرض المخرن (الراعي الرسمي لتهركاويت) للكتاب في الرباط، حيث مال إلى تحميل المواطن مسؤولية سلوكات يصنفها ضمن هذا المفهوم، ويبدو أن النقاش يسير مرة أخرى في الاتجاه الأسهل عبر إدانة الفرد وتبرئة السياق. غير أن ما يغيب عن مثل هذه القراءات، حتى حين تُقدم بلباس “سوسيولوجي”، هو أن السلوك الاجتماعي لا يُولد من فراغ، ولا يُختزل في اختيارات شخصية معزولة.
فما يُقدّم كـ”خلل في السلوك: هو في جوهره نتيجة تراكمات عميقة تتحمل مسروليتها “الدولة المستقيلة” من تعليم لم يقم بوظيفته، وإعلام يقتات على الفضائح والتشهير والتطبيل لترهكاويت المخزن، وسياسات عمومية لم تضع الإنسان في صلب أولوياتها. لأن السلوك الحضاري ليس معطى جاهزا ولا صفة فطرية، بل هو ثمرة شروط تُشيد حجرا على حجر، في ظل مؤسسات قوية ومنظومة عادلة.
لذلك، حين يتم القفز على هذه المحددات، يصبح هذا الخطاب أقرب إلى جلد المجتمع منه إلى فهمه.
ومن هنا، فإن إعادة طرح موضوع “التهركاويت” اليوم يجب أن تكون فرصة لتصحيح زاوية النظر، ليس عبر البحث عن حائط قصير، بل عبر مساءلة البنية التي تصنع هذه السلوكات وتعيد إنتاجها.
لم يعد مقبولا الاستمرار في شيطنة “الهركاوي” وكأنه أصل الداء، بينما هو في الحقيقة أحد أكثر أعراضه فجاجة. إن تقديم “الهركاوة” كاختيار فردي منحرف ليس فقط تبسيطا ساذجا، بل هو أيضا تواطؤ غير مباشر مع منظومة (المخزن) أنتجت هذا الواقع ثم تنكّرت له.
الهركاوي ليس حالة شاذة خرجت عن السياق، بل هو نتاجه الطبيعي. هو ابن مدرسة عمومية تخلّت عن دورها، ومنظومة صحية لا تحميه، وسوق شغل مغلق إلا أمام المحظوظين. هو نتيجة سياسات راكمت التفاوت، وعمّقت الهشاشة، ودفعت فئات واسعة إلى هامش الحياة الاجتماعية والاقتصادية.
وحين نأتي اليوم لنحاكمه أخلاقيا على ما يُسمى “التهركاويت”، فإننا نرتكب مغالطة مريحة، جيث نقوم بمحاسبة النتيجة ونعفي الأسباب. وندين الفرد ونتجاهل البنية. ونختزل أزمة مركّبة في سلوك شخصي، فقط لأن ذلك أسهل من مساءلة اختيارات كبرى ومنظومة كاملة.
ما يُسمى “انحرافًا” في حالة “الهركاوي” ليس سوى شكل من أشكال التكيّف القاسي مع واقع مختل. فحين يُحرم الإنسان من الكرامة، ومن شروط العيش الكريم، ومن أفق الاندماج، فإنه لا يتصرف خارج المجتمع، بل يتصرف وفق ما فرضه عليه هذا المجتمع.
ويتضح أن خطاب الإدانة هذا يخدم وظيفة واضحة، وهي خلق “كبش فداء”. فبدل توجيه النقاش نحو السياسات العمومية ومسؤولية من يملك القرار، يتم اختزال الأزمة في شخص يمكن السخرية منه وإدانته. وهكذا، يتحول الضحية إلى متهم، وتبقى البنية بمنأى عن أي مساءلة حقيقية.
الهركاوي، في نهاية المطاف، ليس مرآة لخلل فردي، بل مرآة لخلل جماعي. هو انعكاس لـ “نظام سياسي” لم يوفر الحد الأدنى من العدالة والتعليم والكرامة الاجتماعية. ومن دون مواجهة هذا الواقع بشجاعة، ومن دون إعادة النظر في السياسات التي تنتج الهشاشة والجهل والفقر، سيظل “الهركاوي” يتكرر، ليس كاستثناء، بل كقاعدة.
