- عماد العتابي
في كل مرة يتعلق الأمر بفلسطين، يخرج علينا بعض الأصوات لتبرير الصمت الرسمي المغربي، بل ويذهب بعضهم إلى حد القول إن الدولة “ليست ملزمة” بالدفاع عن مواطنيها إذا تعرضوا للاحتجاز أو التنكيل من طرف الاحتلال الإسرائيلي. والأدهى أن بين هؤلاء من يقدّمون أنفسهم كأساتذة جامعيين في القانون والعلاقات الدولية، بينما يناقض خطابهم أبسط المبادئ التي يُفترض أنهم يدرّسونها داخل الجامعات.
فما معنى الدولة أصلا إن لم تكن مسؤولة عن حماية مواطنيها؟
الدولة ليست شركة خاصة، وليست جهازا قائما فوق الشعب، بل وُجدت أساسًا لخدمة المواطنين والدفاع عن حقوقهم وصون كرامتهم داخل الوطن وخارجه. فالشعب هو الركن الأساسي لوجود الدولة، أما الحكومات والأنظمة فزائلة ومتغيرة. المواطن يبقى، والشعب يبقى، بينما السلطة مهما طال عمرها راحلة.
ولهذا، فإن أي مواطن مغربي يتعرض للاعتقال أو الإهانة أو الاعتداء خارج البلاد، يصبح من واجب الدولة المغربية، سياسيا وقانونيا وأخلاقيا أن تتحرك للدفاع عنه، بغض النظر عن توجهه السياسي أو القضية التي يدافع عنها. هذه ليست مسألة مزاج سياسي، بل من أبجديات القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية.
لكن ما وقع مع النشطاء المشاركين في “أسطول الصمود العالمي 2” كشف مرة أخرى حجم الهوة بين الشعب المغربي والموقف الرسمي الجبان. فبينما اهتز الرأي العام العالمي أمام مشاهد التنكيل والإهانة التي تعرض لها نشطاء عزل على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، اختار المغرب الرسمي الصمت، رغم وجود مغاربة ضمن المعتدى عليهم.
في المقابل، سارعت دول أوروبية إلى التحرك دفاعا عن مواطنيها، واستدعت ممثلين دبلوماسيين للاحتجاج على ما جرى. لم نسمع هناك من يقول إن على الدولة الهولندية أو الفرنسية أو البريطانية أن “لا تتدخل”، ولم يخرج أساتذة قانون لتبرير التخلي عن المواطنين. لأن تلك الدول، مهما اختلفنا معها سياسيا، تدرك أن حماية المواطن جزء من هيبة الدولة نفسها.
أما في المغرب، فالمؤسف أن البعض يحاول تحويل التخلي عن المواطنين إلى “وجهة نظر” أو “واقعية سياسية”، فقط لأن الأمر يتعلق براعيتهم “إسرائيل”.. وهنا يصبح الصمت الرسمي أكثر من مجرد تقاعس دبلوماسي؛ يصبح تعبيرا عن اختلال خطير في ترتيب الأولويات، حيث تتقدم حسابات التطبيع و”التكويع” على كرامة المواطن المغربي.
الشعب المغربي لم يساوم يوما على فلسطين، ولم يعتبر القضية الفلسطينية ملفا دبلوماسيا ثانويا، بل قضية كرامة وحرية وعدالة. ولذلك فإن صمت الدولة المغربية أمام إهانة مواطنين مغاربة على يد الاحتلال الإسرائيلي لا يمكن اعتباره مجرد “تحفظ دبلوماسي”، بل سقوطا سياسيا وأخلاقيا يمس معنى الدولة والسيادة والاستقلال.
فالدولة التي تعجز عن الدفاع عن مواطنيها وهم يُحتجزون ويُنكَّل بهم أمام أنظار العالم، وتكتفي بالصمت وكأن الأمر لا يعنيها، هي دولة تتخلى طوعا عن أحد أبسط أدوارها التاريخية، وهو حماية شعبها وصون كرامته. لأن قيمة الدولة تُقاس أولا بمدى دفاعها عن مواطنيها، وليس بمدى انبطاحها واستسلامها لإسرائيل وأمريكا.
ويبقى السؤال الذي يطارد هذا الصمت المغربي الرسمي الثقيل؛ إذا كانت كرامة المواطن المغربي لا تستحق حتى بيان إدانة أو تحركا دبلوماسيا خجولا يغسل عار هذا النظام الجبان المستقيل، فما الذي بقي من معنى السيادة؟ وما الذي يجعل المواطن يشعر أن هذه الدولة دولته فعلا؟
