تقرير/
تشهد الحدود السورية – اللبنانية في الأسابيع الأخيرة تطورات متسارعة تثير تساؤلات جدية حول طبيعة المرحلة المقبلة، خصوصا في ظل الحديث عن ضغوط أمريكية-إسرائيلية متزايدة على أحمد الشرع (الجولاني) للانخراط في مواجهة مباشرة مع حزب الله مقابل حزمة من المكاسب السياسية والاقتصادية، تشمل تسهيلات مالية وانفتاحا دوليا وصفقة سلام مع “إسرائيل”.
وتكتسب هذه المعلومات أهمية خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تواجهها دمشق، حيث يرى مراقبون أن السلطة السورية الجديدة تقترب من مرحلة حرجة تجعلها أكثر قابلية لقبول عروض كانت تبدو مستبعدة في السابق. غير أن أي قرار بالمضي في هذا الاتجاه لا يرتبط فقط بالحسابات الاقتصادية، بل يصطدم بتوازنات إقليمية معقدة قد تجعل كلفته أعلى من عوائده.
ميدانيا، تتحدث مصادر متعددة عن حشود عسكرية متزايدة لقوات الجولاني في منطقة القصير، تشمل دبابات ومدفعية ثقيلة وراجمات صواريخ ووحدات مسيّرات، ما فتح الباب أمام تكهنات حول احتمال التحضير لعمل عسكري واسع على الحدود اللبنانية. إلا أن هذه التحركات لا يمكن قراءتها بمعزل عن الموقف التركي الذي يبدو حتى الآن الرافض الأكبر لأي مواجهة مع حزب الله.
فأنقرة تنظر إلى أي صدام من هذا النوع باعتباره خدمة مجانية للمشروع الإسرائيلي في المنطقة وضربة مباشرة لنفوذها داخل سوريا. لذلك مارست خلال الأيام الماضية ضغوطا مكثفة على دمشق لمنع تدهور الوضع، إدراكا منها أن الحرب المحتملة لن تستنزف حزب الله فقط، بل ستستنزف أيضا القوى التي تشكل أحد أعمدة النفوذ التركي داخل سوريا.
وتزداد أهمية الموقف التركي مع المعلومات التي تتحدث عن تعهد أنقرة بعدم السماح للفصائل السورية المرتبطة بها بالمشاركة في أي معركة ضد حزب الله. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الجولاني سيجد نفسه أمام معضلة حقيقية، لأن جزءا مهما من القوة البشرية التي يمكن الاعتماد عليها في أي عملية واسعة يرتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بالمظلة التركية.
وفي محاولة لتجنب الانفجار، تشير المعطيات إلى أن تركيا دخلت على خط الوساطة بين دمشق وحزب الله، مقترحة ترتيبات تتيح انتشار قوات الجولاني في بعض مناطق بعلبك – الهرمل تحت عنوان منع أي تدخل إسرائيلي مباشر على الحدود الشرقية للبنان. غير أن هذه الطروحات اصطدمت برفض واضح من جانب الحزب الذي يعتبر أن الفصائل التابعة للجولاني تفتقر إلى الانضباط الكافي، وأن احتمالات الاختراق الأمني أو التصرفات غير المنضبطة تجعل من الصعب منحها أي هامش حركة داخل مناطق حساسة بهذا المستوى.
ويستند هذا الموقف إلى قناعة راسخة لدى الحزب بأن أي وجود عسكري لقوات الجولاني داخل بيئته الاستراتيجية قد يتحول مع الوقت إلى مصدر تهديد أمني مباشر، خصوصا في ظل التعقيدات الإقليمية والتداخل الكبير بين الملفات السورية واللبنانية والإسرائيلية.
في المقابل، لا تبدو إيران والفصائل العراقية بعيدة عن المشهد. فبحسب المعلومات المتداولة، أبلغت طهران والمقاومة العراقية الجانب التركي استعدادهم لتقديم دعم عسكري لحزب الله في حال اندلاع أي مواجهة واسعة، سواء عبر القدرات الصاروخية أو من خلال المشاركة الميدانية والهجوم البري على دمشق. وهو ما يرفع مستوى المخاطر ويحول أي صدام محتمل من مواجهة حدودية محدودة إلى نزاع إقليمي مفتوح يصعب التحكم بمساراته.
أما إسرائيل، فتبدو الأكثر اهتماما بمآلات هذا الملف. فوفق القراءة المتداولة داخل أوساط محور المقاومة، تنظر تل أبيب إلى هذه اللحظة باعتبارها فرصة استثنائية لإعادة رسم التوازنات على الحدود اللبنانية والسورية. وفي حال نجح الجولاني في تنفيذ الدور المطلوب منه، فإن ذلك قد يفتح أمامه أبواب الدعم السياسي والاقتصادي. أما إذا فشل أو تراجع تحت الضغط التركي والإقليمي، فإن إسرائيل قد تتجه إلى التعامل مع سلطته باعتبارها امتداداً للمشروع التركي، وتبني سياساتها المستقبلية في جنوب سوريا على هذا الأساس.
وعليه، تبدو المنطقة أمام مفترق حساس تتداخل فيه الحسابات الأمريكية والإسرائيلية والتركية والإيرانية مع الحسابات السورية واللبنانية. وبين الضغوط الخارجية والهواجس الأمنية وموازين القوى القائمة، يبقى السؤال مفتوحاً حول ما إذا كان الجولاني سيتجه نحو التسوية، أم أنه سيجد نفسه أمام مواجهة قد تكون الأخطر منذ وصوله إلى السلطة.
