تقرير – المغرب
في الوقت الذي تروج فيه السلطات المغربية لمشاريع ضخمة لتحديث البنية التحتية استعدادا لاحتضان كأس العالم 2030، كشفت تقارير إعلامية إيطالية عن توجه المكتب الوطني للسكك الحديدية نحو اقتناء عربات قطارات خرجت من الخدمة في إيطاليا، في خطوة تثير أكثر من علامة استفهام حول حقيقة “التحديث” الذي يُقدم للرأي العام.
وبحسب ما نشرته صحيفة “La Repubblica” الإيطالية، فإن عربات تابعة لشركة “Trenitalia” جرى سحبها من الخدمة على الشبكة الإيطالية شُوهدت وهي في طريقها إلى المغرب عبر ميناء رافينا، بعد أن قضت سنوات طويلة في الخدمة داخل إيطاليا.
الخبر قد يبدو عاديا للوهلة الأولى، لولا أنه يأتي في سياق مختلف تماما، حيث المغرب أعلن قبل أشهر عن صفقات بمليارات الدولارات لاقتناء قطارات جديدة من شركات عالمية، وروّج لمرحلة جديدة من تحديث النقل السككي، غير أن الواقع يكشف في المقابل عن استيراد قطارات متقادمة لم تعد تلبي احتياجات البلد الذي تخلص منها.
السؤال الذي يفرض نفسه، كيف يمكن الحديث عن بناء منظومة نقل عصرية تواكب حدثا عالميا بحجم كأس العالم، بينما يتم اللجوء في الوقت نفسه إلى عربات سبق أن أنهت مسارها التشغيلي في دولة أوروبية؟
الأكثر إثارة للانتباه أن الصحيفة الإيطالية نفسها أقرت بأن هذه القطارات لا تمثل أي قفزة تكنولوجية، وليست قطارات فائقة السرعة، ولا تنتمي إلى الجيل الأحدث من وسائل النقل السككي. وبعبارة أخرى، فإن المغرب لا يستورد تكنولوجيا متقدمة أو معدات حديثة، بل يقتني وسائل نقل تجاوزها التطور التقني في بلد المنشأ.
ويرى متابعون أن اللجوء إلى هذا الخيار يكشف وجود فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الميداني. فإذا كانت المشاريع المعلنة تسير وفق الجدول الزمني المعلن، فلماذا الحاجة إلى استيراد قطارات خرجت من الخدمة؟ وهل يتعلق الأمر بحل ظرفي فرضته محدودية الأسطول الحالي، أم أن التأخر في تنزيل برامج التحديث أصبح أمراً يصعب إخفاؤه؟
كما تطرح العملية أسئلة مشروعة حول الكلفة الحقيقية لهذه الصفقة. فالعربات المستعملة قد تبدو أقل ثمنا عند الشراء، لكنها غالبا ما تتحول إلى عبء مالي بسبب تكاليف الصيانة وقطع الغيار والتأهيل التقني، وهو ما قد يجعل كلفتها النهائية أعلى مما يبدو في البداية.
ويخشى منتقدون أن يتحول المغرب إلى سوق لتصريف المعدات التي استنفدت عمرها الاقتصادي في أوروبا، خصوصا في ظل غياب تفاصيل رسمية دقيقة حول شروط الصفقة، وسنوات تشغيل هذه القطارات، والتكاليف المرتبطة بإعادة تأهيلها وإدماجها داخل الشبكة الوطنية.
ومع اقتراب موعد مونديال 2030، تبدو الحاجة ملحة إلى إجابات واضحة من الجهات المعنية؛ هل يتعلق الأمر فعلا بخيار اقتصادي مدروس يخدم المصلحة العامة، أم أننا أمام محاولة لسد الخصاص بوسائل مؤقتة قد تُرحّل المشكلة إلى المستقبل؟ والأهم من ذلك، كيف يمكن إقناع المغاربة بأن بلادهم تستعد لدخول نادي الدول ذات البنيات التحتية المتقدمة، بينما تستورد في المقابل قطارات قررت دول أخرى إخراجها من الخدمة؟
أسئلة تبقى مفتوحة في انتظار توضيحات رسمية، لكن المؤكد أن قضية القطارات الإيطالية المستعملة أعادت إلى الواجهة النقاش حول أولويات الإنفاق العمومي، ومدى انسجام القرارات المتخذة مع الوعود الكبيرة التي تُرفع تحت شعار مغرب 2030.
