أمستردام – هولندا
أثار افتتاح مركز “دار المغرب” في العاصمة الهولندية أمستردام موجة واسعة من الانتقادات داخل أوساط الجالية المغربية وعدد من المنظمات الحقوقية والمدنية، التي اعتبرت أن المشروع يتجاوز البعد الثقافي المعلن، ليطرح أسئلة جدية حول النفوذ السياسي للدولة المغربية في الخارج، وحماية الحريات الأساسية للمغاربة المقيمين في هولندا.
وفي بيان مشترك، أعلنت المركز الأورومتوسطي للهجرة والتنمية (EMCEMO)، ومرصد الذراع الطويلة للرباط (Monitor Lange Arm Rabat)، ولجنة مولاي موحند (Comité Mulay Mohand)، ومؤسسة إيزوران (Stichting Izaouran)، وريف أليرت (Rif Alert)، والجمعية المغربية لحقوق الإنسان – فرع هولندا (AMDH Nederland)، إلى جانب شخصيات من الجالية المغربية في أمستردام، رفضها لافتتاح المركز بصيغته الحالية، مطالبة الحكومة الهولندية وبلدية أمستردام بالكشف عن تفاصيل الاتفاقات التي أفضت إلى إنشائه، وتوضيح طبيعة العلاقة بين السلطات الهولندية والسلطات المغربية بشأن هذا المشروع.
مركز ثقافي أم امتداد للدولة المغربية؟
تقدم السلطات المغربية “دار المغرب” باعتباره مؤسسة ثقافية تهدف إلى تعزيز ارتباط الجالية المغربية بهويتها الوطنية واللغوية والثقافية، ضمن شبكة دولية من المراكز الموجهة للمغاربة المقيمين بالخارج.
غير أن المنظمات الموقعة على البيان ترى أن طبيعة المركز تختلف عن المؤسسات الثقافية التقليدية، معتبرة أنه يعمل تحت إشراف مباشر من الدولة المغربية، الأمر الذي يجعله، أداة لتعزيز الحضور الرسمي للرباط داخل الجالية المغربية في هولندا.
وتحذر هذه المنظمات من أن المركز قد يسهم في توسيع ما يعرف في الأوساط السياسية والإعلامية الهولندية بـ”الذراع الطويلة للرباط”، وهو مصطلح يستخدم للإشارة إلى أشكال التأثير أو المتابعة التي تنسبها تقارير أمنية وحقوقية إلى السلطات المغربية تجاه بعض أفراد الجالية، خاصة المعارضين والناشطين.
تحذيرات أمنية سابقة
وتستند المنظمات في موقفها إلى تقارير صادرة عن جهاز الاستخبارات والأمن الهولندي (AIVD)، الذي حذر خلال السنوات الماضية من محاولات بعض الدول الأجنبية ممارسة نفوذها داخل الجاليات المقيمة في هولندا، سواء عبر مؤسسات دينية أو ثقافية أو اجتماعية.
وترى الجهات الموقعة أن السماح بافتتاح مركز تديره دولة أجنبية بشكل مباشر يفرض على السلطات الهولندية توضيح طبيعة التقييمات الأمنية التي أجريت قبل الترخيص للمشروع، وما إذا كانت قد أخذت في الاعتبار المخاطر المحتملة المرتبطة بالتأثير الخارجي.
البعد الحقوقي يزيد من حدة الجدل
ولا يقتصر الاعتراض على البعد الأمني، بل يمتد إلى ملف حقوق الإنسان في المغرب، الذي اعتبرته المنظمات جزءا أساسيا من النقاش.
وأشار البيان إلى أن تقارير صادرة عن منظمات دولية، من بينها العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، لا تزال تسجل استمرار القيود المفروضة على حرية التعبير واستقلال الصحافة، إلى جانب ملاحقة صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان ونشطاء سياسيين.
وفي هذا السياق، أشار البيان إلى توقيف الصحفي المغربي علي المرابط في مدينة طنجة عقب عودته إلى المغرب، معتبرا أن هذه القضية تعكس استمرار المخاوف المتعلقة بحرية الرأي والتعبير.
مشاركة مسؤول بلدي تثير التساؤلات
كما أثار حضور نائب عمدة أمستردام، سفيان مباركي، مراسم افتتاح المركز، انتقادات من المنظمات الموقعة، التي رأت أن مشاركة مسؤول يمثل بلدية تعلن التزامها بالدفاع عن حقوق الإنسان ومواجهة التدخلات الأجنبية تستوجب توضيحات للرأي العام.
وتساءلت المنظمات عن مدى توافق هذه المشاركة مع السياسات التي تتبناها مدينة أمستردام في مجال حماية الحريات المدنية وتعزيز استقلال مؤسسات المجتمع المدني.
مطالب بالشفافية والمساءلة
ودعت المنظمات الحكومة الهولندية وبلدية أمستردام إلى نشر جميع الوثائق المتعلقة بإنشاء “دار المغرب”، والإجابة عن عدد من الأسئلة، أبرزها:
- طبيعة الاتفاقات المبرمة بين السلطات الهولندية والسلطات المغربية بشأن إنشاء المركز.
- وجود أي تعاون مالي أو إداري أو تنظيمي بين المؤسسات الهولندية و”دار المغرب”.
- نتائج تقييم المخاطر المتعلقة بالتدخلات الأجنبية والتأثير السياسي.
- الضمانات القانونية التي تكفل حماية حقوق المواطنين الهولنديين من أصول مغربية، وصون حرياتهم من أي ضغوط أو مراقبة محتملة.
قضية تتجاوز أمستردام
ويرى مراقبون أن الجدل الدائر حول “دار المغرب” لا يقتصر على الساحة الهولندية، بل يعكس نقاشا أوروبيا متناميا بشأن العلاقة بين الدول الأصلية وجالياتها في الخارج، وحدود العمل الثقافي الرسمي، والفصل بين الدبلوماسية الثقافية وأدوات النفوذ السياسي.
وفي المقابل، تؤكد الرباط أن مؤسساتها الثقافية بالخارج تهدف إلى خدمة أبناء الجالية، وتعزيز ارتباطهم بلغتهم وثقافتهم، والحفاظ على هويتهم الوطنية، وهو ما يجعل الجدل الحالي مرشحا للاستمرار في ظل تباين الرؤى بين الحكومات والمنظمات الحقوقية.
ويبقى انتظار الرد الرسمي من الحكومة الهولندية وبلدية أمستردام عاملا حاسما في تحديد ما إذا كانت القضية ستظل في إطار الجدل الإعلامي والحقوقي، أم أنها ستتحول إلى ملف سياسي يناقشه البرلمان الهولندي خلال المرحلة المقبلة، في ظل تنامي الاهتمام الأوروبي بملفات الأمن المجتمعي والتدخلات الأجنبية.
