تقرير – الرباط
انتخاب أحمد التويزي رئيساً لمجلس النواب المغربي ليس مجرد حدث سياسي عابر، بل مناسبة لطرح سؤال جوهري حول معايير الاستحقاق والمصداقية في تقلّد المسؤوليات العليا وحول ما إذا كان يستحق التويزي فعلا رئاسة المؤسسة التشريعية، في ظل الجدل الذي رافق تصريحاته بشأن الدقيق المدعّم، والمعروفة إعلاميا بقضية «طحين الورق»؟
في أكتوبر 2025، أثارت تصريحات التويزي بشأن ما وصفه بـ«طحن الورق» جدلا واسعا، بعدما تحدث عن اختلالات مفترضة في منظومة دعم الدقيق والقمح. ولاحقا أوضح أن مقصوده يتعلق بالتلاعب بالفواتير والوثائق للاستفادة من الدعم العمومي، وليس بخلط الورق فعليا بالدقيق الموجّه للاستهلاك.
وعلى إثر هذه التصريحات، أُعلن عن فتح بحث قضائي في الموضوع يوم 30 أكتوبر 2025، ما جعل القضية تتجاوز مجرد سجال سياسي عابر، لتطرح أسئلة حول حقيقة المعطيات التي أُثيرت أمام الرأي العام، ومآل البحث الذي فُتح بشأنها.
واليوم، يجد التويزي نفسه على رأس المؤسسة التشريعية، بينما لا تزال هذه القضية حاضرة في النقاش العمومي. وهنا تكمن المفارقة التي تستحق النقد؛ فكيف يمكن إقناع المواطنين بأن المصداقية والاستحقاق معياران أساسيان لتولي المسؤوليات الكبرى، حين يصل إلى رئاسة البرلمان شخص ارتبط اسمه بتصريحات بهلوانية ومثيرة للجدل لم تتضح للرأي العام جميع تفاصيلها ونتائجها؟
إن أحمد التويزي، لا يقدم من خلال هذه الملابسات ما يكفي لتبديد التساؤلات حول مدى استحقاقه لهذا المنصب الرفيع. فرئاسة مجلس النواب ليست مجرد نتيجة حسابات حزبية وتحالفات سياسية، بل مسؤولية تتطلب رصيدا واضحا من المصداقية والجدية والقدرة على تعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات.
فهل يكفي أن تحسم الأغلبية البرلمانية اختيارها حتى يصبح النقاش حول أهلية الاختيار أمرا منتهيا؟ وهل تمنح الأصوات وحدها صاحب المنصب الشرعية السياسية والأخلاقية التي ينتظرها المواطنون؟
إن احترام المساطر الانتخابية لا يمنع الاعتراض على الاختيارات السياسية، كما أن انتخاب شخص لمنصب دستوري لا يعني بالضرورة أن اختياره يحظى بالإجماع أو أنه استوفى في الشعب المغربي، معايير الاستحقاق التي ينتظرونها. ومن حق الرأي العام أن ينتقد هذا الاختيار، وأن يطالب بتوضيحات بشأن قضية أثارت اهتماما واسعا، خصوصا أنها ترتبط بالدعم العمومي والقدرة الشرائية للمغاربة.
لا يحتاج المغاربة إلى مسؤولين يكتفون بإطلاق التصريحات الصادمة، بل إلى شخصيات تتحمل مسؤولية كلامها وتقدم المعطيات الدقيقة، وتحترم حق المواطنين في معرفة الحقيقة. ومن يتولى رئاسة المؤسسة التشريعية تحديدا، يفترض أن يكون في مستوى هذه المسؤولية.
ولذلك، فإن انتخاب أحمد التويزي لا ينبغي أن ينهي النقاش حول مدى استحقاقه لهذا الموقع، بل يجعل مساءلة اختياره أكثر إلحاحا. فالمصداقية لا تُمنح بقرار انتخابي والاستحقاق لا يُختزل في عدد الأصوات التي يحصل عليها المرشح.
قد تمنح التحالفات أحمد التويزي رئاسة البرلمان، لكن ذلك لا يلزم المغاربة باعتبار اختياره استحقاقا سياسيا مقنعا. فمن حقهم أن يروا في هذا المنصب عنوانا للمصداقية والمسؤولية، وأن يرفضوا منطق تقديم الحسابات الحزبية على الأسئلة المشروعة المتعلقة بالثقة والمحاسبة.
ويبقى السؤال الذي يختزل جوهر هذا الجدل مرهونا بما إذا كانت رئاسة البرلمان تتطلب أعلى درجات المصداقية والمسؤولية، فهل كان اختيار أحمد التويزي هو الاختيار الذي يستجيب فعلا لهذه المعايير؟
