بورتريه | «لوموند» الفرنسية تفتح ملف فؤاد عالي الهمة.. الرجل الذي يمسك بخيوط السلطة من خلف الستار
من مقاعد الدراسة الملكية إلى قلب السلطة: كيف تحول مستشار محمد السادس إلى أحد أبرز مهندسي المشهد السياسي المغربي؟
ليس كل من يحكم يظهر في الصورة، وليس كل من يظهر في الصورة يملك مفاتيح القرار. في المغرب، حيث تتقاطع المؤسسة الملكية مع أجهزة الدولة وشبكات النفوذ السياسي والاقتصادي، يبرز اسم فؤاد عالي الهمة بوصفه أحد أكثر الشخصيات التصاقا بمركز السلطة، وأحد أبرز الوجوه التي يصعب فهم توازنات الحكم من دون تفكيك مسارها وأدوارها.
لم يعد الأمر مجرد انطباع تردده الأوساط السياسية أو لقب تتناقله الصحافة. ففي بورتريه نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية اليوم 12 أكتوبر 2026، بعنوان «تكريس مكانة فؤاد عالي الهمة، رجل الظل في خدمة محمد السادس»، أعادت الصحيفة تسليط الضوء على الرجل الذي لازم الملك منذ سنوات الدراسة، ثم تحول إلى مستشار بالغ التأثير، ومؤسس حزب سياسي بات يتصدر المشهد الانتخابي المغربي.
إنها قصة رجل لا يحتاج إلى منصب حكومي تنفيذي كي يحافظ على حضوره في قلب المعادلة، ولا إلى خطاب جماهيري كي يثبت نفوذه. فالقوة في الحالة التي يمثلها عالي الهمة، لا تُقاس فقط بما يمنحه الدستور من صلاحيات رسمية، وإنما أيضا بما تتيحه ثقة صديقه الملك من قدرة على الوصول إلى مركز القرار والتأثير في اتجاهاته.
من بن جرير إلى الدائرة الملكية
وُلد فؤاد عالي الهمة سنة 1962 في محيط مدينة بن جرير، وهو ابن أسرة متواضعة؛ كان والده معلما. وفي سن الخامسة عشرة، التحق بالمدرسة المولوية بالرباط، حيث درس إلى جانب محمد السادس، الذي سيصبح ملكاً للمغرب سنة 1999.
لم تكن تلك العلاقة تفصيلا عابرا في سيرة الرجل. فقد أتاحت له سنوات الدراسة المشتركة بناء رابطة شخصية مبكرة مع الملك، في مؤسسة كانت من بين الفضاءات التي تشكلت داخلها نواة من المقربين الذين سيحضرون لاحقا في محيط الحكم.
ومنذ اعتلاء محمد السادس العرش، أخذت هذه العلاقة تتحول تدريجيا إلى رصيد سياسي استثنائي. ففي سنة 1999، عُيّن عالي الهمة كاتبا للدولة في وزارة الداخلية، قبل أن يتعزز حضوره في الملفات المرتبطة بالسياسة الداخلية والأمن وتدبير التوازنات الحزبية.
هنا بدأت ملامح الرجل الذي سيصبح، في توصيفات إعلامية وسياسية، «نائب الملك»؛ ليس لأنه يشغل منصبا دستوريا بهذا الاسم، بل لأن نفوذه تجاوز، بحسب شهادات وتحليلات صحفية، الحدود التقليدية لوظيفة المستشار.
وزارة الداخلية.. حيث تتقاطع السياسة بالأمن
في مطلع عهد محمد السادس، لم يكن عالي الهمة مجرد مسؤول إداري في وزارة الداخلية. فقد تزامن صعوده مع مرحلة اتجهت فيها الدولة إلى إعادة ترتيب المجال السياسي، وضبط العلاقة مع التيارات الإسلامية، وتحديد حدود التعددية الحزبية في ظل استمرار مركزية المؤسسة الملكية.
وبعد تفجيرات الدار البيضاء في مايو 2003، التي خلفت 45 قتيلا، دخل المغرب مرحلة أمنية جديدة. وتربط قراءة «لوموند» بين عالي الهمة وبين التحول الذي أعقب تلك الأحداث، حين أصبحت المقاربة الأمنية أكثر حضورا في تدبير المجال العام، وتعرضت قطاعات من التيار الإسلامي للاحتواء والتضييق.
كما استحضرت الصحيفة انتقادات طالت السلطات المغربية في تلك المرحلة، على خلفية اعتقالات وتعذيب تعرض لهما مشتبه في ارتباطهم بالتطرف، وهي ممارسات وثقتها تقارير حقوقية دولية.
وتبرز أهمية هذه المرحلة في أنها وضعت عالي الهمة في قلب تقاطع حساس، حيث السياسة والأمن والإدارة. وهي مساحة تتيح لصاحب النفوذ أن يؤثر في المجال السياسي، حتى من دون أن يكون واجهة حكومية دائمة.
حزب الأصالة والمعاصرة.. عندما يخرج رجل الظل إلى العلن
في سنة 2008، أسس عالي الهمة حزب الأصالة والمعاصرة، في خطوة نقلته من دوائر السلطة الإدارية إلى واجهة التنافس الحزبي.
لم يكن تأسيس الحزب مجرد محطة عادية في مسار سياسي. فقد رأى مراقبون فيه محاولة لإعادة تشكيل الخريطة الحزبية، عبر بناء قوة سياسية قريبة من توجهات القصر، قادرة على منافسة حزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية.
وكان التناقض واضحا حيث رجل يرتبط اسمه بمحيط الملكية يدخل الحياة الحزبية، فيما يفترض أن تكون الأحزاب فضاءات للتنافس المستقل على ثقة الناخبين. ومن هنا نشأت أسئلة حول حدود الفصل بين السلطة الملكية والفاعلين الحزبيين، وحول مدى قدرة الأحزاب على بناء نفوذها بعيدا عن شبكات القرب من مركز الحكم.
وعلى الرغم من أن عالي الهمة لم يواصل مساره الحزبي بالطريقة التي كان يمكن أن تقوده إلى رئاسة الحكومة، فإن الحزب الذي أسسه ظل جزءا أساسيا من المشهد السياسي.
وجاءت انتخابات 23 سبتمبر 2026 لتمنح هذا المسار دلالة جديدة، بعدما تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج، في محطة تعزز موقع الحزب داخل ترتيبات تشكيل الحكومة الجديدة.
وهكذا، يبدو أن المشروع الذي انطلق سنة 2008 لم يعد مجرد تجربة حزبية عابرة، بل أصبح أحد العناوين الكبرى لإعادة تشكيل التوازنات السياسية في المغرب.
احتجاجات 2011.. حين صار الاسم هدفا للشارع
لكن نفوذ القصر لا يحمي صاحبه بالضرورة من المساءلة الشعبية، ولا يحول دون تحوله إلى رمز للاحتقان السياسي.
مع اندلاع احتجاجات حركة 20 فبراير سنة 2011، وجد عالي الهمة نفسه في مواجهة شعارات المحتجين الذين طالبوا بإصلاحات سياسية ودستورية، وربط بعضهم اسمه بما اعتبروه مظاهر فساد ونفوذ غير خاضع للمحاسبة.
وكان شعار «الهمة ارحل» تعبيرا عن استهداف شخصي وسياسي لواحد من أبرز وجوه محيط الملك، كما عكس رفضا أوسع لما اعتبره المحتجون تغولا لشبكات السلطة والمال داخل الحياة العامة.
وفي خضم تلك التحولات، غادر عالي الهمة قيادة حزب الأصالة والمعاصرة، قبل أن يلتحق بعد أشهر، بهيئة مستشاري الملك.
كانت تلك النقلة ذات دلالة، فالابتعاد عن واجهة الحزب لم يعنِ نهاية المسار السياسي، بل انتقالا إلى موقع أقل ظهورا وأكثر التصاقا بمركز القرار. ومنذ ذلك الحين، أصبح حضوره يُقرأ أساسا من خلال علاقته بالملك، لا من خلال خطاب انتخابي أو مسؤولية حكومية معلنة.
«نائب الملك».. سلطة الثقة أم مشكلة المحاسبة؟
لقب «نائب الملك»، الذي ارتبط باسم عالي الهمة، ليس منصبا رسميا، لكنه يلخص صورة سياسية تشكلت حول مستشار يتمتع بثقة ملكية راسخة، ويُنظر إليه بوصفه نقطة التقاء بين القصر وشبكات متعددة داخل الدولة.
وفي مقال آخر نشرته «لوموند» في أغسطس 2025 عن المَخزن وأسرار القصر، وصفت الصحيفة عالي الهمة بأنه أحد أبرز مفاتيح المنظومة المحيطة بالملك، وأشارت إلى دوره في تدبير التوازنات السياسية والأمنية. وتذهب هذه القراءة إلى أن نفوذ الرجل لا يُفهم من خلال صفته الإدارية وحدها، بل من خلال موقعه في شبكة علاقات شخصية ومؤسساتية متداخلة.
وهنا تبرز الإشكالية الأهم؛ جيث حين تتجمع القدرة على التأثير في يد مستشار غير منتخب، إلى أي حد تبقى المسؤولية السياسية واضحة أمام المواطنين؟ ومن يحاسب أصحاب النفوذ الذين لا يتولون رئاسة الحكومة ولا يخضعون مباشرة لاختبار صناديق الاقتراع؟
هذه ليست أسئلة تخص عالي الهمة وحده، وإنما تتعلق بطبيعة النظام السياسي المغربي، وبالعلاقة بين السلطة التنفيذية الرسمية ومركز القرار الملكي، وبحدود الدور الذي تؤديه الأحزاب والمؤسسات المنتخبة في صناعة السياسات العامة.
ففي الأنظمة التي تحتفظ فيها المؤسسة الملكية بمكانة محورية، لا يكفي النظر إلى أسماء الوزراء ورؤساء الأحزاب لمعرفة كيفية اشتغال السلطة. ينبغي أيضاً النظر إلى الدوائر المحيطة بمركز القرار، وإلى قنوات التشاور والتأثير، وإلى الأشخاص الذين يستطيعون الربط بين مؤسسات الدولة وشبكات النفوذ.
رجل الملفات الصعبة.. وحدود النفوذ
تستحضر «لوموند» كذلك دور عالي الهمة في الملفات الاستراتيجية، ومنها ملف الصحراء الغربية، حيث نقلت عن مصادر صحفية أنه ساهم في استكمال صيغة المقترح المغربي الذي عُرض على الأمم المتحدة في أكتوبر 2025.
ومثل هذه المعطيات، إذا قرئت في سياقها تكشف اتساع الملفات التي يُنسب إلى المستشار الملكي الاشتغال عليها، من السياسة الداخلية إلى الأمن والدبلوماسية.
ومن هنا؛ تطرح المرحلة المقبلة سؤالا يتجاوز شخص عالي الهمة، فهل تستطيع شبكات النفوذ التي تشكلت خلال عهد محمد السادس الحفاظ على مواقعها مع انتقال السلطة مستقبلا إلى ولي العهد الأمير مولاي الحسن؟ أم أن تعاقب الأجيال سيعيد ترتيب الدوائر المقربة من القصر، ويغيّر خريطة العلاقات التي حكمت المغرب خلال العقود الماضية؟
لا توجد إجابة محسومة عن هذا السؤال، لكن مجرد طرحه يكشف أن قوة الرجل ليست مستقلة عن البنية التي يستمد منها نفوذه.
الخلاصة.. من يحكم خلف الستار؟
إن بورتريه فؤاد عالي الهمة ليس مجرد قصة صعود موظف سابق في وزارة الداخلية إلى موقع استشاري متقدم. إنه مدخل إلى فهم الطريقة التي تتشابك بها العلاقات الشخصية والمؤسساتية والحزبية داخل النظام السياسي المغربي.
فمن مقاعد المدرسة المولوية، إلى وزارة الداخلية، مرورا بتأسيس حزب الأصالة والمعاصرة، ثم العودة إلى محيط القصر مستشارا للملك، رسم عالي الهمة مسارا سياسيا غير مألوف، جمع بين الظهور والغياب، وبين العمل الحزبي والاشتغال من داخل الدائرة الملكية.
وتكمن دلالة هذا المسار في أن السلطة لا تُقرأ دائما من خلال المناصب المعلنة، بل كذلك من خلال القدرة على الوصول إلى صاحب القرار، والتأثير في دوائر التشاور، وربط الخيوط بين مراكز القوة.
لكن السؤال الذي يظل معلقا ليس ما إذا كان عالي الهمة رجلا قويا؛ فحضوره الطويل في قلب الحكم والشهادات الصحفية التي تناولت نفوذه يجعلان هذا الوصف مفهوما. السؤال الحقيقي هو كيف يمكن التوفيق بين نفوذ مستشار يستمد قوته وسلطته من الملك، وبين الحاجة إلى مؤسسات منتخبة واضحة المسؤولية، وإلى شفافية تجعل القرار العمومي قابلا للفهم والمساءلة؟
في هذا السؤال تحديدا تكمن أهمية الرجل، كما تكمن حدود النموذج السياسي الذي يمثله. فمن يصنع القرار ومن يتحمل مسؤوليته ومن يملك حق محاسبته؟
