- اسماعيل بريولة
من هذا الشعار التاريخي الذي صدحت به حناجر أجيال من الطلبة عبر مسار طويل من النضال والفكر والثقافة، أنطلق لأستحضر فلسفة “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” تلك الفلسفة القائمة على النمو والحلم المشترك.
كيف لا نكون مدينين لهذا الإطار، وهو البوابة التي كان لها الفضل الأكبر علينا وعلى أجيال متعاقبة في صقل الوعي، وبناء الأبجديات الأولى للفكر التقدمي والنقدي، والمساهمة في تشكيل الذات وترميمها؟ لقد جئنا إلى الجامعة ووجدنا إطاراً نقابياً عتيداً، يمثل الشرعية القانونية والنضالية لجميع الطلاب، مغاربة وأجانب. هذا الإطار الذي لم يتوقف يوماً عن لعب أدوار طلائعية تربط العلم والمعرفة بالسياسة والاقتصاد والثقافة.
فإذا كانت التخصصات الأكاديمية تساهم في تكوين الطالب معرفياً في حقل محدد، فإن “الاتحاد” يكمل هذا البناء عبر رفع منسوب الوعي النقابي والسياسي، من خلال حلقات طلابية مسؤولة ومنظمة. فللاتحاد الفضل في تعريف الطلاب بالقضايا الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية بفهم علمي ومنطلق إيديولوجي واضح يضعها في سياقها السليم، علاوة على قضايا المرأة، والاعتقال السياسي، وقضية التعليم…
كما اضطلع الاتحاد، ولا يزال، بدور المدافع الفعلي عن المطالب المادية والبيداغوجية والديمقراطية للطلبة، باعتبارها حجر الزاوية لاستمرار الطالب في الجامعة العمومية ذات الاستقطاب المفتوح. وبفضل هذا الصمود، تم تحصين مكتسبات تاريخية، منها: بناء الأحياء والمطاعم الجامعية، توفير النقل الجامعي بأثمان رمزية، انتظام صرف المنح وزيادة قيمتها، فتح مسالك “الماستر”، وإلغاء شروط الانتقاء المجحفة. كما ناضل الاتحاد لفرض احترام حرمة الجامعة وتطهيرها من الممارسات الدخيلة، ورفع الحظر القانوني عنه في مراحل تاريخية فارقة، مجلياً عنها أجهزة (الأواكس)، ومستردّاً مشروعية العمل النقابي.
يأتي حديثي هذا في سياق “هجمة شرسة” تتعرض لها الحركة الطلابية المغربية، فبعد تدجين قلاع نضالية تاريخية (كالدار البيضاء، والرباط، ومراكش) وتحويلها إلى ما يشبه الثانويات التأهيلية، جاء الدور اليوم على المواقع التي ظلت عصية على التذويب، وفي مقدمتها جامعة “ابن طفيل” بالقنيطرة. هذا الموقع التاريخي الذي استبسل طلابه في الدفاع عن مجانية التعليم العالي وعموميته، ليبقى متاحاً لأبناء وبنات الطبقات الشعبية.
وفي سياق هذا التضييق، وصل الأمر بالجامعة إلى إصدار قرار جائر بالطرد النهائي في حق اثنين وعشرين مناضلاً ومناضلة، على خلفية أنشطتهم النقابية. وهو قرار انتقامي يروم تقويض الجامعة وليّ ذراع العمل الطلابي، وذلك بسبب رفضهم القاطع لمضامين مشروع “القانون 59.24” الذي يهدف في جوهره إلى خوصصة الجامعة، عبر فرض رسوم التسجيل (تحت مسمى التوقيت الميسر)، وضرب استقلالية الجامعة بإشراك فاعلين لا صلة لهم بالبحث العلمي؛ مما يحوّل الجامعة من منارة للإشعاع الفكري والحس النقدي إلى سوق للاستثمار والربح.
إن ما يحدث اليوم هو “جريمة مكتملة الأركان”، وستظل وصمة عار على جبين كل من ساهم في إعدام حلم جيل بأكمله بسبب أنشطة سلمية تكفلها القوانين المحلية والدولية. إن الجامعة العمومية اليوم تحتاج وقفتنا جميعاً، أكثر من أي وقت مضى، في وجه هذا التغول الذي يستهدف كينونتها.
