- عبد النبي شعول
قديما، كان “المتوحد” عند الفيلسوف ابن باجة هو الإنسان الذي يرفض الانغماس في “المدينة الجاهلة”، كان يختار العزلة بحثا عن كمال العقل وصونا للكرامة، ليحمي جوهره الإنساني من الإنحطاط المحيط به؛ كان “ملكا” في عزلته، سيدا لقراره، يبحث عن الرقي في زمن التردي .
أما اليوم، وفي مدينة تازة، وأمام باب مستشفى يحمل اسم ذلك الفيلسوف، مات “متوحد” آخر. لكنه لم يختر العزلة، ولم يهرب من الجهل، ولم يبحث عن كمال العقل، بل مات وهو يواجه عزلة القهر والتخلي.
إن أكثر ما يثير الأسى في هذا المشهد هو أن المفارقة لا تقع بين شخصين، بل بين معنيين متناقضين للعزلة: عزلة الفيلسوف كانت فعلا من أفعال الحرية والارتقاء نحو شروط الفضيلة، أما عزلة هذا الرجل التازي فكانت فعلا من أفعال العجز؛ فُرِضَتْ عليه لأن المجتمع قرر أن يتركه وحيدا مشردا حتى مات على رصيف المدينة.
هنا، يتحول السؤال عن واقع الحماية الاجتماعية والصحة إلى سؤال وجودي: متى يفقد المجتمع صفته الأخلاقية؟ هل حين يعجز عن منع الموت؟ أم حين يتوقف عن الاعتراف بوجود الإنسان قبل أن يموت؟
ليس الموت هو أكثر ما يوجع في هذه الحادثة، بل تلك المدة التي سبقت الرحيل؛ الساعات والأيام والشهور التي كان فيها الرجل حاضرا بين الناس وغائبا عن انتباههم؛ مرئيا بالعين، وغير مرئي بالضمير.
في كثير من الأحيان، لا يطرد الإنسان خارج المدينة كما كان زمن ابن باجة، بل ينبذ في صلب المدينة، وسط الشوارع، وأمام المؤسسات، والوجوه العابرة.
لقد فهم ابن باجة أن المدينة قد تخذل العقل، لكن ما تكشفه هذه الواقعة هو أن المدينة قد تخذل الجسد أيضا. وهذا الخذلان أشد قسوة؛ لأن الجسد في لحظات ضعفه لا يطلب الحكمة، لا يطلب سوى ألا يُترك وحيدا مع ضعفه.
والمفارقة أن ابن باجة نفسه لم يكن يكتب عن “المتوحد” من برج عاج؛ بل كان هو ذاته متوحدا بالمعنى الحرفي ؛ طُرِد من سرقسطة حين سقطت، وهرب من غرناطة حين رُمِي بالإلحاد، ومات مسموما في فاس غريبا منفيا.
لقد كان فيلسوفا لم تقبله مدينة واحدة، ومع ذلك رحل عام 1138م قبل أن يكمل رسالته “تدبير المتوحد”؛ تركها ناقصة، غامضة، كأنه لم يجد هو الآخر إجابة نهائية لسؤال من تخذله مدينته. فكيف لمستشفى يحمل اسمه أن يفتح بابا أَعْجَزَ صاحبه عن فتحه؟
وبين “المتوحد” الذي وصفه ابن باجة، والمتوحد الذي مات على الرصيف، تمتد قرون طويلة، لكن السؤال الجوهري ما زال قائماً: ما الذي يجعلنا مجتمعا؟
ليس القانون وحده، ولا المؤسسات وحدها، ولا المباني التي تحمل أسماء الفلاسفة. فهذه كلها هياكل قد تقوم وتستمر حتى في أكثر المجتمعات برودة. ما يجعلنا مجتمعا حقا هو ذلك الشعور العميق بأن كرامة الإنسان ليست شأنا فرديا، وأن سقوط إنسان واحد ليس حادثا يخصه وحده، بل جرح يصيب المعنى الأخلاقي الذي يربطنا بعضنا ببعض.
لقد كتب ابن باجة عن إنسان اختار العزلة لأنه كان أكبر من مدينته.
أما مأساة اليوم، فهي أن إنسانا تُرِك وحيدا لأن مدينته كانت أصغر من إنسانيته.
رحم الله من مات وهو يظن أن الباب سيُفتح.
