- عماد العتابي
ليست كل الهزائم عسكرية.
هناك هزائم لا تُقاس بخسارة أرض، ولا بانهيار جيش، ولا بسقوط نظام، بل تُقاس بلحظة يفقد فيها المواطن إيمانه بوطنه. وحين تصبح الحدود حلما ويصبح الوطن عبئا، وتتحول الهجرة إلى خلاص جماعي، فاعلم أن الدولة تواجه أخطر أزماتها، حتى وإن كانت مؤسساتها لا تزال قائمة، وحتى وإن كانت شاشاتها لا تزال تبث أناشيد الانتصار.
ما شهدته سبتة خلال الأيام الأخيرة ليس مجرد حادث حدودي، وليس موجة هجرة يمكن أن تُضاف إلى أرشيف الأخبار ثم تُنسى بعد أيام. ما جرى هناك هو زلزال سياسي وأخلاقي واجتماعي، سيظل يطارد المغرب لسنوات طويلة، لأنه كشف الحقيقة التي حاولت السلطة إخفاءها خلف الأبراج، والطرق السيارة، والموانئ، والقطارات فائقة السرعة، والملاعب العملاقة.
في ساعات قليلة، تحولت الحدود إلى أكبر استفتاء شعبي في تاريخ المغرب الحديث.
لم يكن استفتاءً بصناديق الاقتراع، بل بالأقدام.
ولم يكن سؤاله: من يحكم؟
بل كان سؤاله: لماذا لم يعد الناس يريدون البقاء؟
لقد خرج عشرات الآلاف من المغاربة، رجالا ونساء وأطفالا نحو سبتة، في مشهد غير مسبوق. لم يرفعوا شعارات سياسية ولم يهتفوا ضد أحد. كانوا يحملون شيئا واحدا فقط؛ قناعة بأن مستقبلهم يوجد خارج المغرب.
وهذه في حد ذاتها، أكبر هزيمة يمكن أن تتعرض لها أي دولة.
لأن الدول لا تنهزم عندما تتراجع اقتصاداتها فقط، بل تنهزم عندما يصبح الرحيل عنها حلمًا جماعيا.
بعد مأساة سبتة، لم يعد الحديث عن كأس العالم 2030 قادرا على حجب الأسئلة التي فرضها مشهد الهروب الكبير
أي كأس عالم هذا الذي نستعد له، بينما آلاف الأطفال والشباب يركضون ويهربون نحو الحدود؟
أي احتفال عالمي يمكن أن يخفي صور القاصرين وهم يتدافعون بحثا عن مستقبل خارج وطنهم؟
وأي رسالة يريد المغرب أن يبعث بها إلى العالم؟
أنه قادر على تنظيم أكبر بطولة كروية، لكنه عاجز عن إقناع أطفاله وشبابه بأن لهم مستقبلا في بلدهم؟
هناك لحظات لا تسقط فيها الحكومات، بل تسقط الروايات.
ولا تهتز فيها الحدود، بل تهتز صورة الدولة في وعي أبنائها.
ولا تُهزم فيها الجيوش، بل تُهزم الخطابات أمام الحقيقة.
منذ سنوات، يحدثنا النظام السياسي عن “المغرب الصاعد”، وعن المشاريع الكبرى، وعن النموذج التنموي، وعن كأس العالم، وعن المستقبل الذي يُرسم لهذا البلد. لكن كل هذه الرواية انهارت في ساعات قليلة أمام مشهد آلاف المغاربة وهم يتدفقون نحو سبتة، غير آبهين بالموت أو الاعتقال أو الترحيل، لأن الخوف من البقاء صار، بالنسبة إلى كثير منهم، أكبر من الخوف من المجهول.
لا يمكن لدولة عاجزة عن إقناع عشرات الآلاف من شبابها بالبقاء أن تقنع العالم بأنها جاهزة لتنظيم كأس ااعالن والاحتفال بهذا التنظيم. فالاحتفال بالحياة يبدأ حين يتمسك المواطن بوطنه، لا حين يبحث عن أي منفذ للهروب منه.
لقد كشفت سبتة حقيقة موجعة، أن الأزمة في المغرب لم تعد أزمة اقتصاد أو بطالة أو تعليم فقط، بل أصبحت أزمة ثقة. وحين تنهار الثقة، تنهار معها كل الشعارات وكل المشاريع وكل الخطابات، مهما بلغت ضخامتها.
ليس من المنطقي أن تُرصد مليارات الدراهم للملاعب، بينما الآلاف من الأطفال والشباب المغاربة فروا من المغرب خلال ساعات فقط.
بعد سبتة، لم يعد المغرب بحاجة إلى ملاعب جديدة بقدر حاجته إلى عقد اجتماعي جديد. ولم يعد بحاجة إلى إبهار العالم بصور المدرجات والشاشات العملاقة، بل إلى مصالحة أبنائه مع وطنهم.
