- إلياس المرابط
في الخطاب الرسمي، تبدو “برامج التنمية الترابية المندمجة” كأنها الجواب الحاسم على معضلة الفوارق المجالية في المغرب. غير أن الواقع، خصوصا داخل جهة طنجة تطوان الحسيمة، يكشف أن الطريق نحو العدالة الترابية لا يزال مليئا بالتناقضات البنيوية. فهذه الجهة، التي تحتضن واحدا من أقوى المشاريع الاقتصادية في القارة، تعيش في الآن نفسه على إيقاع تفاوتات حادة بين مركز دينامي وهوامش تبحث عن نصيبها من التنمية، بما يجعلها نموذجا مكثفا لاختبار صدقية هذا التحول في فلسفة التدخل العمومي.
لا أحد يجادل في الأثر الاقتصادي الذي أحدثه ميناء طنجة المتوسط، والذي جعل من طنجة منصة صناعية ولوجستية عالمية، ورافعة حقيقية لاندماج المغرب في سلاسل القيمة الدولية. لكن هذا النجاح يطرح مفارقة واضحة: كلما تعزز موقع طنجة، ازدادت الهوة بينها وبين أقاليم مثل شفشاون ووزان والحسيمة. هنا لا يكمن المشكل في وجود قطب قوي، بل في غياب آليات فعالة لنقل أثر هذا النمو إلى باقي تراب الجهة، وهو ما يكشف محدودية منطق “التنمية بالإشعاع” حين لا يُواكب بسياسات إعادة توزيع فعلية.
تجربة برنامج الحسيمة منارة المتوسط كانت كاشفة في هذا السياق. فقد قُدّم البرنامج كترجمة عملية لفكرة “الالتقائية”، عبر تجميع تدخلات متعددة في الصحة والتعليم والبنيات التحتية ضمن رؤية مندمجة. غير أن تعثر عدد من المشاريع، وما رافقه من اختلالات في التنفيذ، أظهر أن الإشكال لا يتعلق بندرة الموارد، بل بضعف التنسيق بين المتدخلين. كل قطاع استمر في الاشتغال بمنطقه الخاص، فتحول “الاندماج” إلى مجرد تجميع إداري لمشاريع متفرقة، بدل أن يكون رؤية موحدة تُترجم على أرض الواقع. لكن ما يغيب غالبا في هذا النقاش هو دور المجتمع المحلي، إذ تُصاغ هذه البرامج بمنطق فوقي يحدد الأولويات مركزياً، ثم تُنزَّل محلياً دون إشراك فعلي للساكنة، ما يُضعف نجاعتها ويُفرغها من بعدها التشاركي. إشراك المجتمع المدني هنا ليس مجرد مطلب ديمقراطي، بل أداة عملية لتحسين الالتقائية نفسها، عبر جعل المواطن طرفاً في تحديد الأولويات ومراقبة التنفيذ.
في المقابل، لم يُترجم الرهان على قطب طنجة إلى دينامية اقتصادية داخلية متوازنة. ولا يزال ميناء طنجة المتوسط، في جوانب عديدة، أقرب إلى “جزيرة اقتصادية” مرتبطة بالخارج أكثر من ارتباطها بعمقها الجهوي. وهو ما يطرح ضرورة التفكير في نماذج اقتصادية محلية موازية، تستند إلى خصوصيات كل إقليم بدل انتظار تسرب النمو من المركز. فشفشاون، على سبيل المثال، تمتلك مؤهلات قوية في السياحة البيئية، ووزان تتوفر على إمكانيات فلاحية قابلة للتثمين، بينما يمكن للحسيمة تطوير اقتصاد مرتبط بالموارد البحرية والسياحة الموسمية. هذه المقاربة لا تنافس القطب الصناعي، بل تُكمله، وتُخفف من حدة التبعية له.
غير أن أحد أضعف حلقات هذه البرامج يظل العنصر البشري. ففي الوقت الذي تتطلب فيه التنمية المندمجة كفاءات في التخطيط والهندسة المالية، تعاني العديد من الجماعات، خصوصاً القروية، من نقص حاد في الأطر التقنية. هذا الخلل لا يمكن معالجته فقط عبر التكوين، بل يستدعي إعادة تنظيم الموارد على المستوى الجهوي، من خلال آليات مثل الفرق التقنية المتنقلة أو التعاون البين-جماعاتي، بما يسمح بتقاسم الخبرات وتقليص الفوارق في القدرات التدبيرية. بدون ذلك، ستظل اللامركزية مجرد شعار، بينما يستمر التدبير الفعلي في الارتهان للمركز.
وفي موازاة ذلك، تُطرح إشكالية أخرى تتعلق بصعود شركات التنمية كفاعل رئيسي في تنفيذ المشاريع. صحيح أن هذه الآليات وفرت سرعة ومرونة أكبر مقارنة بالإدارة التقليدية، لكنها تطرح في المقابل سؤالاً ديمقراطياً حقيقياً. فحين تُنقل سلطة التنفيذ إلى كيانات لا تخضع لنفس منطق المساءلة الانتخابية، يتراجع دور المجالس المنتخبة، ويصبح من الصعب تحديد المسؤوليات. وإذا لم تُواكب هذه الدينامية بإطار قانوني يمنح المنتخبين سلطة فعلية في التتبع والتقييم، فإننا نكون أمام تحول صامت نحو حكامة تقنوقراطية تُضعف مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
الأكثر إشكالية أن تقييم هذه البرامج لا يزال يُختزل في مؤشرات تقنية، مثل عدد المشاريع أو نسبة تقدم الأشغال، دون الاهتمام الكافي بالأثر الفعلي على حياة المواطنين. فنجاح التنمية لا يُقاس بعدد الكيلومترات المعبدة، بل بمدى تحسن جودة التعليم، وسهولة الولوج إلى الخدمات الصحية، وقدرة السكان على الاستقرار في مجالاتهم دون اضطرار للهجرة. بدون هذا التحول في معايير التقييم، سيظل “النجاح” شكلياً، قائماً على الأرقام لا على التجربة المعيشة.
وفي خلفية كل هذه الرهانات، يبرز تحدٍ صامت لكنه حاسم، يتمثل في الضغط المتزايد على الموارد المائية، خاصة في المناطق القروية داخل الجهة. فالتنمية الترابية، مهما كانت طموحة، تظل رهينة بمدى قدرتها على التكيف مع سياق مناخي يتسم بندرة متزايدة، ما يفرض إعادة التفكير في نماذج التنمية نفسها، وليس فقط في أدواتها.
في المحصلة، تكشف تجربة جهة طنجة تطوان الحسيمة أن الرهان الحقيقي لا يكمن في صياغة برامج أكثر طموحاً، بل في تغيير قواعد اللعبة نفسها: من مركز يقرر إلى مجال يشارك، ومن مشاريع تُنجز إلى أثر يُقاس، ومن نموٍّ مُركّز إلى تنمية مُوزَّعة. لأن الخطر الحقيقي لا يتمثل في فشل هذه البرامج، بل في نجاحها الشكلي، حين تُنتج مشاريع وأرقاماً وخطابات دون أن تُغيّر فعلياً حياة المواطنين. وعندها، لن يكون الأمر مجرد أزمة تنمية، بل أزمة ثقة في جدوى السياسات العمومية نفسها.
