الحسيمة – الريف
قد يعتقد البعض أن ما ورد في تدوينة الأستاذة/المخبرة “لبنى الجود” لا يعدو أن يكون انفعالا عابرا أو خطابا استفزازيا موجها ضد عائلة ناصر الزفزافي. لكن القراءة المتأنية للنص تكشف أن الأمر غير مرتبط فقط بالإهانات الشخصية ولا اللغة العدائية، بل أمر آخر أكثر عمقا، وهو استحضار موضوعين يعتبران من أكثر المواضيع حساسية داخل الوعي الجماعي الريفي، وهما التغيير الديمغرافي وإغراق المجتمع بالمخدرات.
المفارقة أن صاحبة التدوينة قدمت هذين الأمرين باعتبارهما أشياء كان يمكن للدولة أن تقوم بها ولم تقم بها، وكأنها بذلك تمنح شهادة حسن سلوك للدولة. غير أن مجرد استحضار هذه الأفكار يكشف أنها ليست غريبة عن المخيال السياسي والأمني الذي تتحرك داخله، بل أفكار متداولة ومطروحة إلى درجة أنها خرجت بشكل تلقائي أثناء محاولتها الدفاع عن السلطة ومهاجمة خصومها.
التغيير الديمغرافي.. هاجس أم واقع يتشكل على الأرض؟
منذ نهاية حراك الريف، بدأ يتشكل لدى قطاع واسع من أبناء المنطقة شعور بأن الريف لم يعد يواجه فقط سياسة أمنية أو مقاربة سلطوية تقليدية، بل أصبح يعيش تحولات أعمق تمس بنيته السكانية والثقافية والاجتماعية.
فالحراك الذي انطلق من مطالب اجتماعية وتنموية انتهى باعتقالات واسعة وأحكام ثقيلة دفعت آلاف الشباب إلى الهجرة باعتبارها المخرج الوحيد من واقع الانسداد. خلال السنوات الأخيرة هاجر عدد كبير من أبناء المنطقة نحو أوروبا أو نحو مدن مغربية أخرى بحثا عن فرص العمل والاستقرار. هذه الهجرة الجماعية لم تكن مجرد حركة سكانية طبيعية، بل تحولت إلى نزيف بشري مستمر يستنزف الفئات الشابة الأكثر حيوية وإنتاجا.
في الوقت نفسه، شهدت المنطقة توسعا ملحوظا في الحضور الإداري والأمني بمختلف أشكاله. ولم يعد الأمر مقتصرا على المؤسسات في حد ذاتها، بل امتد إلى استقرار مئات الموظفين وعائلاتهم داخل المنطقة بشكل دائم. ومع مرور الوقت بدأت ملامح التحول تظهر في الحياة اليومية وفي الفضاء العام.
يكفي أن يتجول المرء في بعض أحياء الحسيمة أو المناطق المحيطة بها ليلمس تغيرا واضحا في المشهد اللغوي والاجتماعي مقارنة بما كان عليه الوضع قبل سنوات. فالكثير من السكان يتحدثون عن حضور متزايد للدارجة المغربية في الشارع والأسواق والإدارات والأحياء السكنية، مقابل تراجع نسبي لحضور “الريفية” التي تشكل المكون الأساسي للفضاء الثقافي المحلي.
لا يتعلق الأمر هنا برفض التنوع أو بمعاداة القادمين من مناطق أخرى، لكن الإشكال الذي يطرحه كثير من أبناء الريف هو أن هذه التحولات تأتي في سياق يتزامن مع تهجير واسع للسكان الأصليين، ما يجعل السؤال مشروعا، هل نحن أمام تطور طبيعي أم أمام مسار يعيد تشكيل التوازنات الديمغرافية والثقافية للمنطقة بشكل تدريجي؟
هذا السؤال بالذات هو ما يجعل عبارة مدللة الحموشي “لبنى الجود” مثيرة للانتباه. فهي لم تختر أي مثال آخر، بل استحضرت مباشرة فكرة “تغيير البنية الديمغرافية للريف”. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا، لماذا هذه الفكرة بالذات؟ ولماذا حضرت في خطابها بهذه العفوية؟ وما الذي يجعل شخصا يدافع عن الدولة يفكر أصلا في الهندسة الديمغرافية كوسيلة لمعالجة الخلافات السياسية؟
المخدرات… الوجه الآخر للأزمة
إذا كان الحديث عن التغيير الديمغرافي يثير القلق بشأن المستقبل الثقافي والاجتماعي للريف، فإن قضية المخدرات تثير مخاوف أكثر إلحاحا لأنها ترتبط مباشرة بمصير الأجيال الصاعدة.
خلال السنوات الأخيرة تصاعدت شكاوى السكان والفاعلين المحليين بشأن الانتشار المتزايد للمخدرات في عدد من المناطق الريفية. ولم يعد الأمر يقتصر على المواد التقليدية المعروفة، بل أصبح الحديث يتكرر عن وصول أنواع أكثر خطورة وعلى رأسها الكوكايين إلى بلدات صغيرة ومراكز قروية كانت إلى وقت قريب بعيدة نسبيا عن هذه الظواهر.
ما يثير القلق أكثر هو أن هذه المواد تجد طريقها إلى فئات عمرية صغيرة، بما في ذلك محيط المؤسسات التعليمية. وفي ظل البطالة وغياب الفضاءات الثقافية والرياضية وضعف الفرص الاقتصادية، يصبح الشباب أكثر عرضة للسقوط في دوامة الإدمان والتهميش.
ولهذا كان مستفزا أن يجري تقديم المخدرات في التدوينة وكأنها مجرد وسيلة من وسائل العقاب الجماعي التي كان يمكن استعمالها ضد الريف، وقد تم استعمالها بالفعل. فحتى لو قيل ذلك على سبيل المبالغة أو الاستفزاز، فإن مجرد استحضار الفكرة يكشف تصورا مرعبا للعلاقة بين الدولة والمجتمع، تصورا يرى في المواطنين موضوعا للعقاب لا أصحاب حقوق.
من دولة الحقوق إلى دولة “الرحمة”
المشكلة الحقيقية في هذا الخطاب أنه لا يتحدث عن الدولة باعتبارها مؤسسة دستورية مهمتها حماية المواطنين وضمان حقوقهم، بل باعتبارها قوة مطلقة تستطيع أن تفعل أي شيء ثم تطالب الناس بالشكر لأنها لم تفعله.
وفق هذا المنطق، لا يصبح احترام الحقوق واجبا قانونيا وأخلاقيا، بل يتحول إلى نوع من التفضل. ولا يصبح الامتناع عن الإضرار بالمواطنين التزاما مفروضا على الدولة، بل منّة تستوجب الامتنان.
وهنا تكمن خطورة الخطاب. لأن الدولة الحديثة لا تُقاس بما تستطيع أن تفعله بمواطنيها، بل بما يمنعها القانون من فعله ضدهم. الدولة القوية ليست هي التي تستطيع تغيير ديمغرافية منطقة أو إغراقها بالمخدرات أو سحق معارضيها، بل هي التي تلتزم بالقانون حتى عندما تملك القدرة على التصرف خارج حدوده.
سواء اتفق المرء أو اختلف مع الطرح القائل بوجود تغيير ديمغرافي أو مع حجم المخاطر المرتبطة بانتشار المخدرات، فإن المؤكد أن هذين الملفين أصبحا جزءا من النقاش العمومي داخل الريف. وما كشفته تدوينة “لبنى الجود” هو أن هذه القضايا لم تعد مجرد هواجس يتداولها الناس في مجالسهم الخاصة، بل تحولت إلى أسئلة سياسية واجتماعية تفرض نفسها بقوة.
ولهذا فإن الرد على هذه المخاوف لا يكون بالسخرية منها أو باتهام أصحابها بالوهم، بل بفتح نقاش جدي وشفاف حول واقع المنطقة، وحول أسباب استمرار الإحساس بالتهميش، وحول التحولات التي يشهدها الريف على المستويات السكانية والثقافية والاجتماعية.
فالأسئلة التي يطرحها الريف اليوم لن تختفي بالتجاهل، بل ستظل قائمة ما دام أصحابها يشعرون بأن واقعهم يتغير بوتيرة متسارعة، وأن أحدا لا يريد حتى الاعتراف بحقهم في طرح السؤال.
