- زياني محمد
يثير موضوع استغلال بعض المساحات بشاطئ تلا يوسف كمواقف للسيارات سؤالًا أساسيًا حول حدود اختصاص الجماعة، من جهة، وحرية أصحاب العقارات الخاصة في استغلال أملاكهم في إطار نشاط تجاري مرخص، من جهة أخرى.
غير أن المعطيات المرتبطة بهذه الحالة تطرح إشكالا أكثر تعقيدا، ذلك أن الأمر، بحسب ما هو متداول، لا يتعلق بموقف سيارات تابع للملك العمومي أو تدبره الجماعة، وإنما بمساحات يقول أشخاص إنها مملوكة لهم ملكية خاصة، ويستغلونها مقابل مبالغ مالية يؤديها أصحاب السيارات، رغم أن هذه المساحات تبدو في بعض الحالات مجرد فضاءات أو قطع أرضية عارية لا تتوفر، في ظاهرها، على التجهيزات والمواصفات المعتادة لموقف سيارات منظم.
وتزداد خطورة الإشكال عندما تصل المبالغ المطلوبة، حسب المعطيات المتداولة، إلى أكثر من 150 درهمًا لركن سيارة واحدة، وهو مبلغ مرتفع جدًا إذا قورن بطبيعة المكان والخدمة المقدمة، الأمر الذي يستوجب فتح نقاش جدي حول الأساس القانوني لهذه الممارسة، وليس فقط حول مسألة تحديد ثمن الوقوف.
وبما أن الأمر يتعلق، من حيث الأصل، بعقارات خاصة يقول أصحابها إنهم يملكونها، ويتم استغلالها كمواقف للسيارات بموجب تراخيص لمزاولة النشاط، فإن التكييف القانوني يختلف عن حالة موقف تابع للملك العمومي أو تدبره الجماعة مباشرة. ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين تنظيم النشاط وتحديد ثمن الخدمة.
لكن قبل الوصول إلى مسألة حرية الأسعار، يظل السؤال الأول والأكثر أهمية هو: هل هذه العقارات مملوكة فعلًا ملكية خاصة؟ وهل النشاط الممارس فوقها مرخص به قانونًا؟ وهل الترخيص، إن وجد، يتعلق فعلًا باستغلالها كموقف للسيارات، أم أن هناك مجرد سماح بمزاولة نشاط آخر؟ وهل تستجيب هذه الفضاءات لشروط السلامة والتعمير والولوج وتنظيم حركة السيارات؟
فالملكية الخاصة، متى كانت ثابتة ومستوفية لشروطها القانونية، تمنح صاحبها حق الاستعمال والاستغلال والتصرف في ملكه، غير أن هذا الحق ليس مطلقًا؛ إذ يمكن أن يخضع استعمال العقار لضوابط التعمير، وقواعد السلامة، والشرطة الإدارية، والأنظمة المتعلقة بحماية المستهلك والمنافسة، وكلما كان النشاط الممارس داخله من الأنشطة التي تستوجب ترخيصًا أو تصريحًا مسبقًا.
وبالتالي، فإن مجرد الادعاء بملكية الأرض لا يكفي، في حد ذاته، لإضفاء المشروعية على تحويلها إلى موقف تجاري للسيارات. فالملكية شيء، ومشروعية استعمال العقار لهذا الغرض شيء آخر؛ وقد يكون الشخص مالكًا للعقار، لكنه لا يستطيع استعماله لأي نشاط كيفما كان، إذا كان ذلك النشاط يخضع لترخيص أو لشروط قانونية خاصة.
فالقانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات يخول لرئيس مجلس الجماعة ممارسة صلاحيات الشرطة الإدارية الجماعية، ولا سيما في مجالات النظام العام والسير والجولان والوقوف، وفق الحدود والاختصاصات التي يحددها القانون. غير أن منح الترخيص لا يجعل الجماعة، في حد ذاته، مسيّرة للموقف، ولا يمنحها تلقائيًا صلاحية تحديد السعر التجاري للخدمة، خصوصًا أن القانون التنظيمي نفسه يميز بين صلاحيات الشرطة الإدارية وبعض الاختصاصات التي تعود إلى سلطات أخرى، ومن بينها مراقبة الأثمان.
ومن المهم هنا عدم الخلط بين “الترخيص الإداري” و”التدبير الإداري المباشر”. فالترخيص يعني أن السلطة المختصة سمحت بممارسة نشاط معين بعد التحقق من استيفاء الشروط القانونية، لكنه لا يعني أن الجماعة أصبحت مالكة للعقار أو مستغلة له أو مسؤولة عن تحديد جميع الشروط التجارية التي تحكم العلاقة بين صاحب الموقف والمستعمل.
غير أن هذه القاعدة تفترض مسبقًا وجود ترخيص صحيح ومحدد المضمون. فإذا كان النشاط يمارس دون ترخيص، أو كان الترخيص لا يشمل استغلال العقار كموقف للسيارات، أو كانت شروط الترخيص غير محترمة، فإن المسألة لا تعود مجرد نقاش حول حرية الأسعار، وإنما تصبح مسألة تتعلق بمشروعية النشاط برمته وبمدى احترام القواعد المنظمة له.
ويجد هذا التمييز سنده أيضًا في القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، الذي تنص المادة الثانية منه على أن أسعار السلع والمنتجات والخدمات تحدد عن طريق المنافسة الحرة، ما لم ينص القانون على خلاف ذلك، كما تنص المادة الثالثة على إمكانية تنظيم الأسعار في بعض القطاعات أو المناطق التي تكون فيها المنافسة محدودة، وفق الشروط القانونية وبعد استشارة مجلس المنافسة.
وبالتالي، فإن مجرد منح الجماعة ترخيصًا باستغلال موقف للسيارات لا يكفي، في حد ذاته، لتمكينها من فرض تعريفة تجارية على مستغل خاص داخل عقار خاص، ما لم يوجد سند قانوني خاص وصريح يقرر ذلك. فاختصاص الجماعة في تنظيم النشاط شيء، والتدخل في تحديد المقابل المالي للخدمة شيء آخر، ولا ينبغي الخلط بينهما.
لكن في حالة شاطئ تلا يوسف، لا ينبغي أن يتحول مبدأ حرية الأسعار إلى ذريعة لإضفاء المشروعية على أي مبلغ يفرضه مستغل فضاء خاص على المواطنين. فحرية الأسعار لا تعني حرية ممارسة النشاط دون ترخيص، ولا تعني الإعفاء من قواعد حماية المستهلك، ولا تمنح صاحب العقار حق فرض مبالغ كيفما شاء دون إعلان مسبق وواضح ودون احترام القواعد القانونية المنظمة للعلاقة مع المستعمل.
ويترتب على ذلك أن أي قرار جماعي يرمي إلى فرض سعر موحد على مواقف السيارات المقامة فوق أملاك خاصة ينبغي أن يستند إلى نص قانوني واضح يحدد مصدر هذه الصلاحية وحدود ممارستها؛ إذ لا يكفي الاستناد إلى الاختصاص العام في مجال الشرطة الإدارية لإنشاء اختصاص مالي أو تجاري لم يمنحه القانون صراحة.
وفي المقابل، فإن الجماعة لا تستطيع أن تتذرع بحرية الأسعار لتتنصل من مسؤوليتها في مراقبة النشاط متى كان يدخل ضمن اختصاصاتها القانونية. فواجبها يبدأ، قبل الحديث عن السعر، من التحقق من قانونية النشاط، وطبيعة العقار، واحترام شروط التعمير والسلامة، وعدم احتلال الملك العمومي، واحترام قواعد السير والجولان، ومدى مطابقة النشاط لما هو مرخص به.
وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن حرية الأسعار تضع النشاط خارج نطاق تدخل الجماعة؛ إذ يظل اختصاصها في مجال الشرطة الإدارية أساسيًا لضمان النظام العام والسلامة وتنظيم السير والجولان. ولذلك يمكن أن يتضمن الترخيص شروطًا واضحة تتعلق بمداخل ومخارج الموقف، والسلامة، وتنظيم حركة السيارات، وعدم احتلال الملك العمومي دون سند، واحترام قواعد السير والجولان، إلى جانب حماية المستعملين.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في الحالة موضوع النقاش، لأن استغلال قطعة أرض عارية كموقف للسيارات لا يجعلها تلقائيًا موقفًا صالحًا للاستغلال التجاري. فغياب التجهيزات الأساسية، أو انعدام التنظيم الداخلي، أو عدم وضوح المداخل والمخارج، أو غياب شروط السلامة، أو عدم توفر فضاء مناسب لحركة السيارات والمشاة، كلها مسائل ينبغي للجهة المختصة التحقق منها قبل السماح بممارسة النشاط.
بل إن الجماعة تظل مطالبة بمراقبة مدى احترام المستغل للشروط التي صدر الترخيص على أساسها، ويمكنها، عند ثبوت مخالفة قانونية أو إخلال بشروط الترخيص، اتخاذ الإجراءات التي يسمح بها القانون، بما في ذلك الإنذار أو سحب الترخيص متى توفرت شروط ذلك، دون أن يعني ذلك منحها سلطة غير محدودة على النشاط التجاري أو على الملك الخاص.
كما أن من حق المواطنين، في إطار الشفافية والمساءلة، أن يعرفوا الجهة التي منحت الترخيص، ورقم الترخيص وتاريخه ومدته، وطبيعة النشاط الذي يسمح به، وحدود العقار المعني، وما إذا كان الترخيص يتعلق فعلًا بموقف للسيارات. ولا يعني ذلك بالضرورة نشر معطيات شخصية أو وثائق لا يجوز تداولها، وإنما يعني أن تكون المشروعية الإدارية للنشاط قابلة للتحقق والمراقبة.
وفي المقابل، فإن ترك تحديد السعر للمستغل لا يعني ترك المواطن أمام تعريفة مجهولة أو مفاجئة. فالقانون رقم 31.08 المتعلق بتحديد تدابير لحماية المستهلك يفرض، بموجب المادة 3، إعلام المستهلك بأسعار المنتجات والخدمات وتعريفاتها بواسطة الإشهار أو أي وسيلة مناسبة، حتى يتمكن من اتخاذ اختيار عقلاني. كما تمنع المادة 21 الإشهار المضلل، بما في ذلك ما يتعلق بالسعر أو التعريفة وشروط تقديم الخدمة.
وهنا تبرز إحدى أكثر النقاط إثارة للقلق في حالة مواقف السيارات بشاطئ تلا يوسف: إذا كان المواطن لا يعرف مسبقًا قيمة المبلغ الذي سيؤديه، أو يفاجأ عند المغادرة بمبلغ يصل إلى أكثر من 150 درهمًا، فإن ذلك يطرح مسألة جدية تتعلق بمدى احترام مبدأ الإعلام المسبق والشفافية في المعاملة التجارية.
فالمشكلة ليست فقط في كون السعر مرتفعًا، وإنما في كيفية فرضه، وفي ما إذا كان معلنًا بوضوح قبل الاستفادة من الخدمة، وما إذا كان المستعمل قد أُتيح له اختيار الدخول إلى الموقف من عدمه وهو على علم مسبق بالتعريفة.
ومن ثم، فإن ضمان حقوق المواطنين لا يمر بالضرورة عبر فرض تعريفة موحدة من طرف الجماعة، وإنما يمكن أن يتحقق من خلال تنظيم النشاط وفرض الشفافية في الأسعار، وذلك بإلزام مستغل الموقف بإشهار تعريفته بشكل واضح وبارز قبل ولوج السيارة، بما يسمح للمواطن بمعرفة تكلفة الخدمة مسبقًا واتخاذ قراره بحرية.
أما إذا كان السعر المعلن أو المفروض لا يتناسب مع الخدمة المعلن عنها، أو كانت هناك ممارسات من شأنها إجبار أصحاب السيارات على الأداء دون اختيار حقيقي، أو كان المواطن يفاجأ بمبلغ لم يتم الإعلان عنه مسبقًا، فإن الأمر يستحق تدخل الجهات المختصة للتحقق من مدى احترام القواعد القانونية المتعلقة بحماية المستهلك والممارسات التجارية.
كما أن خصوصية شاطئ تلا يوسف، باعتباره فضاءً يعرف خلال فترات الاصطياف ضغطًا كبيرًا على مواقف السيارات، تجعل من الضروري اعتماد مقاربة متوازنة لا تنحاز بشكل مطلق لا إلى مصالح المستغلين ولا إلى منطق التسعير الإداري، وإنما تقوم على احترام القانون، وحماية المستهلك، وضمان المنافسة المشروعة، وتنظيم المجال العام، ومنع أي استغلال غير قانوني للملك العمومي.
فاستغلال حاجة المصطافين إلى ركن سياراتهم، خصوصًا في موسم الصيف وفي منطقة تعرف ضغطًا كبيرًا، لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتحقيق أرباح مبالغ فيها خارج أي رقابة أو شفافية. وفي الوقت نفسه، فإن حماية المواطن لا ينبغي أن تتم عبر مصادرة حق المالك في استغلال ملكه بصورة مشروعة، وإنما عبر إخضاع النشاط للقانون ومراقبة شروط ممارسته.
وفي هذا السياق، ينبغي كذلك التمييز بدقة بين الموقف المقام فوق عقار خاص وبين استغلال أجزاء من الملك العمومي لفائدة موقف السيارات. فإذا كان العقار خاصًا، فإن العلاقة الأصلية بين المالك والمستعمل تكتسي طابعًا خاصًا وتجاريًا، أما إذا امتد الاستغلال إلى الملك العمومي، فإن الأمر يدخل في إطار قانوني مختلف، وقد يصبح خاضعًا لشروط الاحتلال المؤقت للملك العمومي وللمقابل المالي والضوابط المرتبطة به، بحسب طبيعة الملك والجهة المختصة.
ولهذا السبب تحديدًا، فإن التحقق من الحدود العقارية لهذه المواقف يصبح مسألة جوهرية: هل السيارات تُركن داخل عقار خاص فعلًا، أم أن جزءًا من المساحة المستعملة هو في الحقيقة من الملك العمومي؟ وهل يتم استغلال ممرات أو جوانب الطريق أو فضاءات عمومية لفائدة نشاط تجاري خاص؟
ومن هنا تبرز أهمية أن تكون التراخيص الممنوحة واضحة في تحديد الوعاء العقاري الذي يشمله النشاط، وحدود الموقف، والمساحة المستغلة، وطبيعة النشاط المرخص، ومدته، وشروط تجديده، والالتزامات المفروضة على المستغل، حتى لا يتحول الترخيص إلى وسيلة للتوسع غير المشروع في احتلال الملك العمومي أو إلى مصدر لالتباس بين الملك الخاص والملك العام.
كما أن تحقيق المصلحة العامة يقتضي اعتماد شروط موحدة وشفافة في منح التراخيص، حتى لا تتحول عملية الترخيص إلى مجال للتمييز بين المستغلين أو إلى وسيلة لإقصاء بعضهم دون مبرر قانوني، مع ضرورة إخضاع جميع المواقف الخاصة لنفس قواعد السلامة والنظافة والتنظيم واحترام حقوق المستهلكين.
والأهم أن منح الترخيص لا ينبغي أن يُفهم باعتباره “شيكًا على بياض” لاستغلال الفضاء كيفما شاء صاحبه، وإنما هو إذن مشروط باحترام مجموعة من الالتزامات القانونية والإدارية. فإذا ثبت أن النشاط يمارس خارج نطاق الترخيص أو خلافًا لشروطه، فإن الجهات المختصة تكون مطالبة بالتدخل وفق المساطر القانونية المعمول بها.
إن الإشكال الحقيقي، إذن، ليس في مبدأ استغلال العقارات الخاصة كمواقف للسيارات، متى كان النشاط مستوفيًا للشروط القانونية، وإنما في كيفية تنظيم هذا النشاط بما يمنع الفوضى ويضمن حقوق جميع الأطراف: مالك العقار، والمستغل، والجماعة، والمواطن المستعمل.
وهكذا، تنتهي سلطة الجماعة حيث لا يسند لها القانون صلاحية التدخل، وتبدأ حرية المستغل في تحديد شروط خدمته وسعرها في إطار القواعد القانونية، مع بقاء الجماعة مسؤولة عن ضمان التنظيم والسلامة والشفافية وحماية المستعملين. وهذا هو التوازن الذي ينبغي أن يحكم تدبير مواقف السيارات الخاصة بشاطئ تلا يوسف.
غير أن هذا التوازن لا يمكن أن يتحقق إذا غابت المراقبة أو أصبح المواطن أمام أمر واقع: إما أن يؤدي المبلغ المطلوب، مهما كان مرتفعًا، وإما أن يحرم من ركن سيارته في فضاء يعرف اكتظاظًا كبيرًا. فحرية النشاط الاقتصادي لا تعني تحويل حاجة المواطن إلى وسيلة للإكراه، كما أن حماية الملكية الخاصة لا تعني إعفاء النشاط التجاري من الخضوع للقانون.
وعليه، فإن المقاربة القانونية السليمة لا ينبغي أن تنطلق من الرغبة في فرض تعريفة موحدة لمجرد وجود نشاط يمس مجال السير والوقوف، وإنما من تحديد دقيق لطبيعة العقار، ومصدر الترخيص، والجهة المختصة، وطبيعة النشاط، والقواعد القانونية المنظمة للأسعار والمنافسة وحماية المستهلك.
كما ينبغي أن تبدأ هذه المقاربة بإجابة واضحة عن أسئلة بسيطة لكنها حاسمة: من يملك هذه الأراضي؟ من رخص باستغلالها كمواقف؟ ما طبيعة الرخص الممنوحة؟ هل تحترم هذه المواقف شروط السلامة والتنظيم؟ هل التعريفة معلنة مسبقًا؟ وهل المبلغ المطلوب، الذي قد يتجاوز 150 درهمًا للسيارة الواحدة، يستند إلى خدمة معلومة ومعلنة ومقبولة قانونًا؟ وهل يتم استغلال أي جزء من الملك العمومي دون سند؟
فالسلطة المحلية أو الجماعة لا تفقد صلاحياتها بمجرد كون الموقف مقامًا فوق ملك خاص، لكنها في المقابل لا تكتسب صلاحيات جديدة لمجرد إصدار الترخيص. وبين هذين الحدين يجب أن يتحرك القرار الإداري: تنظيمٌ حين يكون التنظيم من اختصاصها، ومراقبةٌ حين يخولها القانون المراقبة، وحمايةٌ للمواطن حين يتعلق الأمر بالنظام العام والسلامة وحقوق المستهلك، دون أن يتحول ذلك إلى تدخل في حرية الأسعار أو في الملكية الخاصة من غير سند قانوني صريح.
وبذلك يمكن الوصول إلى معادلة أكثر توازنًا: موقف خاص، بنشاط مشروع ومرخص، وسعر تجاري معلن وشفاف، وجماعة تمارس اختصاصاتها في التنظيم والمراقبة والشرطة الإدارية، ومواطن يعرف مسبقًا حقوقه والتزاماته وتكلفة الخدمة التي اختار الاستفادة منها.
أما أن تكون الأرض مجرد خلاء، وأن تُستغل كموقف للسيارات دون تجهيزات أو تنظيم واضح، وأن يُطلب من المواطن عند ركن سيارته مبلغ قد يتجاوز 150 درهمًا، فإن الأمر لا ينبغي أن يُختزل في سؤال: “هل يحق لصاحب الأرض تحديد السعر؟”، بل يجب أن يسبقه سؤال أهم: “هل يحق له أصلًا ممارسة هذا النشاط بهذه الطريقة، وتحت أي ترخيص، ووفق أي شروط، وعلى أي مساحة، وبأي مقابل؟”
إن احترام هذه المعادلة هو وحده الكفيل بتحويل مواقف السيارات بشاطئ تلا يوسف من موضوع للنزاع والاحتقان إلى نشاط اقتصادي منظم، يراعي حقوق الملكية الخاصة، ويحمي المستعملين، ويحافظ على النظام العام، ويصون في الوقت نفسه هيبة القانون واختصاصات الجماعة وحدود تدخلها.
ومن ثم، فإن المطلوب ليس مصادرة حق أي شخص في استغلال ملكه، ولا منح الجماعة سلطة غير مقررة لها قانونًا، وإنما تطبيق القانون على الجميع: التحقق من الملكية، والتأكد من قانونية الترخيص، ومراقبة شروط الاستغلال، وضمان السلامة، وإشهار الأسعار، وحماية المستهلك، ومنع أي احتلال غير مشروع للملك العمومي، والتصدي لكل ممارسة يثبت أنها تخالف القانون.
فالمواطن الذي يأتي إلى شاطئ تلا يوسف ليس مجرد “زبون” يمكن استغلال حاجته إلى ركن سيارته، كما أن صاحب العقار ليس ممنوعًا من استثمار ملكه. وبين الحقين تقف سلطة القانون: تحمي الملكية الخاصة، لكنها تحمي المواطن أيضًا؛ تسمح بالنشاط الاقتصادي، لكنها تمنع الفوضى؛ وتحترم حرية الأسعار، لكنها لا تسمح بأن تتحول هذه الحرية إلى غطاء لممارسة غير قانونية أو إلى وسيلة للإضرار بالمستهلك.
وهنا تكمن مسؤولية الجهات المختصة: ليس في تحديد سعر تجاري لموقف خاص بالضرورة، وإنما في التأكد من أن كل ما يجري فوق الأرض وفي محيطها يتم وفق القانون، وأن المواطن يعرف مسبقًا ما سيدفعه، وأن ما يدفعه يقابله نشاط مشروع ومعلن، وأن لا أحد يستغل حاجة المصطافين أو ضغط الموسم السياحي لفرض أمر واقع خارج الضوابط القانونية.
