الرباط – المغرب
لم يعد الحديث عن الحضور الإسرائيلي في المغرب مقتصرا على مجالات التكنولوجيا أو التعاون الأمني والعسكري، بل امتد خلال السنوات الأخيرة إلى واحد من أكثر القطاعات حساسية واستراتيجية، وهو القطاع الفلاحي. فمع توالي الاستثمارات والشراكات الإسرائيلية في إنتاج الأفوكادو والحوامض وغيرها من الزراعات التصديرية، يبرز تخوف متزايد من تحول المغرب إلى منصة إنتاج بديلة لشركات إسرائيلية تبحث عن الأرض والماء واليد العاملة الرخيصة بعدما أصبحت هذه العناصر أكثر كلفة داخل “إسرائيل”.
وإذا كانت الحكومات المتعاقبة تقدم هذه المشاريع باعتبارها استثمارات أجنبية طبيعية تندرج ضمن منطق الانفتاح الاقتصادي، فإن منتقدي هذا التوجه يرون أن ما يجري يتجاوز مجرد استثمارات معزولة، ليعكس مسارا متدرجا نحو إدماج جزء كبير من المنظومة الفلاحية المغربية ضمن المصالح والاستراتيجيات الزراعية الإسرائيلية.
فشركة “مهدرين”، أكبر منتج للحمضيات في “إسرائيل” وأحد أبرز الفاعلين في قطاع الأفوكادو، لم تخف الأسباب الحقيقية وراء توجهها إلى المغرب. فبحسب ما كشفته تقارير اقتصادية إسرائيلية، وقعت الشركة خلال سنة 2025 اتفاقيات لاستغلال نحو 5000 دونم من الأراضي الزراعية بالمملكة في إطار استراتيجية جديدة تهدف إلى نقل جزء من أنشطتها الإنتاجية إلى الخارج وتقليص تكاليف التشغيل. وجاء اختيار المغرب، وفق المصادر نفسها، نتيجة مجموعة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها انخفاض تكلفة اليد العاملة ومياه السقي مقارنة بإسرائيل، فضلاً عن الموقع الجغرافي الذي يتيح ولوجا سريعا إلى الأسواق الأوروبية التي تستقبل الجزء الأكبر من صادرات الحمضيات.
ويأتي هذا التوجه في وقت يمر فيه قطاع الحمضيات “الإسرائيلي” بأزمة متفاقمة، بعدما تراجعت الصادرات البحرية من 194 ألف طن سنة 2017 إلى نحو 95 ألف طن فقط سنة 2024، أي بانخفاض يقارب النصف. كما تراجعت القيمة الإجمالية للصادرات من 843 مليون شيكل إلى 477 مليون شيكل خلال الفترة نفسها، في حين سجلت الصادرات الموجهة إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يمثل السوق الرئيسية للحمضيات “الإسرائيلية”، تراجعاً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة.
وأمام هذا الوضع، شرعت “مهدرين” في إعادة هيكلة نشاطها الزراعي، فأغلقت خلال سنة 2025 أكثر من 6000 دونم من البساتين التي لم تعد تحقق مردودية اقتصادية داخل الكيان الصهيوني، متوقعة توفير ما يقارب 17 مليون شيكل سنويا. وفي المقابل، اتجهت نحو توسيع استثماراتها في المغرب باعتباره فضاء إنتاجيا أكثر تنافسية من حيث كلفة التشغيل والموارد. وبذلك لا يبدو أن المغرب يشكل بالنسبة إلى الشركة مجرد سوق جديدة أو وجهة استثمارية عادية، بل قاعدة إنتاج بديلة تسمح لها بالحفاظ على حضورها في الأسواق الدولية وتعويض جزء من التراجع الذي يعيشه قطاع الحمضيات داخل الكيان. وبعبارة أخرى، فإن ما تبحث عنه هذه الشركات ليس السوق المغربية بحد ذاتها، بل الموارد المغربية نفسها من الأرض والماء واليد العاملة الرخيصة، باعتبارها عناصر إنتاج أصبحت أقل تكلفة وأكثر ربحية مما هي عليه داخل “إسرائيل”.
وتزداد خطورة هذا التحول عندما يوضع في سياقه الحقيقي. فالمغرب يعيش منذ سنوات أزمة مائية غير مسبوقة، وتتعالى التحذيرات بشأن استنزاف الفرشات المائية وتراجع الموارد المتاحة للسكان والفلاحين الصغار. ومع ذلك تستمر الدولة في تشجيع الزراعات التصديرية الأكثر استهلاكا للمياه، بينما تتجه شركات أجنبية إلى الاستفادة من هذه الموارد لتحقيق أرباح موجهة أساسا نحو الأسواق الخارجية.
وفي هذا السياق، يرى منتقدون أن مفهوم الأمن الغذائي يتعرض لإعادة تعريف خطيرة. فبدل أن تكون الأولوية لإنتاج ما يحتاجه المغاربة وضمان استقرار الأسعار وتوفير المواد الأساسية للسوق الوطنية، أصبحت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية موجهة لإنتاج سلع تصديرية تحددها متطلبات الأسواق الأجنبية وحسابات المستثمرين الدوليين وعلى رأسهم الإسرائيليين. والنتيجة أن القرار الإنتاجي يصبح مرتبطا بشكل متزايد باعتبارات الربح الخارجي أكثر من ارتباطه بالحاجات الغذائية الوطنية.
كما أن توسع الحضور الإسرائيلي في قطاعات فلاحية استراتيجية يثير تساؤلات حول مستقبل السيادة الغذائية للمغرب. فحين تنتقل شركات إسرائيلية من تصدير منتجاتها إلى امتلاك أو إدارة جزء من سلاسل الإنتاج داخل المغرب، فإن الأمر لا يتعلق فقط باستثمار مالي، بل بامتلاك نفوذ متزايد داخل قطاع حيوي يرتبط مباشرة بالأمن الغذائي والموارد الطبيعية. ويخشى منتقدو هذا المسار أن يتحول المغرب تدريجيا من منتج مستقل يحدد أولوياته الزراعية وفق حاجياته الوطنية إلى فضاء إنتاجي يخضع بشكل متزايد لمتطلبات الأسواق واللوبي الصهيوني واستراتيجيات الشركات متعددة الجنسيات.
ومن هذا المنظور، يتحدث بعض الفاعلين والباحثين عن “أسرلة” تدريجية للقطاع الفلاحي المغربي، من خلال التغلغل المتزايد للرساميل والشركات والخبرات الإسرائيلية داخل قطاعات استراتيجية ذات قيمة تصديرية مرتفعة. ويشير هؤلاء إلى أن انتقال الاستثمارات من الأفوكادو إلى الحمضيات والقمح لا يمثل مجرد توسع اقتصادي عادي، بل يعكس توجها نحو التموقع داخل مفاصل إنتاجية حيوية تزداد أهميتها مع تفاقم أزمة الغذاء والمياه عالميا.
والسؤال الحقيقي اليوم لا يتعلق فقط بعدد الهكتارات التي تستغلها هذه الشركات أو بحجم الاستثمارات المعلنة، بل بطبيعة النموذج الفلاحي الذي يراد للمغرب أن يتبناه. هل المطلوب فلاحة وطنية تجعل من الأمن الغذائي والسيادة على الموارد أولوية استراتيجية؟ أم فلاحة تصديرية مندمجة في شبكات الإنتاج العالمية، تتحول فيها الأرض والماء واليد العاملة المغربية إلى عوامل إنتاج منخفضة التكلفة تخدم مصالح فاعلين اقتصاديين أجانب؟
في ظل هذه المعطيات، لم يعد النقاش حول الاستثمارات الإسرائيلية في الفلاحة المغربية مجرد نقاش اقتصادي محض، بل أصبح نقاشا سياديا بامتياز يتعلق بمن يملك القرار داخل القطاعات الحيوية، ومن يحدد وجهة الموارد الاستراتيجية للبلاد. فالأمن الغذائي لا يقاس فقط بحجم الصادرات أو قيمة الاستثمارات، بل بقدرة الدولة على الحفاظ على سيادتها على الأرض والماء والإنتاج الزراعي، وضمان توجيه هذه الموارد لخدمة حاجيات المواطنين قبل خدمة رهانات الأسواق الخارجية ومصالح المستثمرين الأجانب.
